لم تعرف بلاد العرب في مراحل تاريخها مرحلة مرهقة قاتمة ، كمرحلتها في اوائل العهد العثماني واواسطه ، التي بليت فيها بالوهن والتقهقر والجمود .
وكذلك لم تعرف دنيا العروبة في تاريخها فجراً وقململاً ويقظة ووثبة اسرع من فجر النهضة وقململ الفكر ويقظة الحياة ووثبة الامة التي حركت العرب ودفعتهم لاستعادة امجادهم الروحية والفكرية والعلمية والاستقلالية والادبية في اواخر ذلك العهد .
ولا بد للناظر المدقق المنصف الى تلك النهضة التحريرية العربية المفاجئة ، من الايمان بان الفكر اللبناني الحر كان شمسها وينبوعها وخلاقها . ولا بد له من الاعتراف بأن اليازجيين الاحرار كانوا في طليعة من حملوا لواء الفكر لغة وادباً وتوجيهاً وتحريراً ، وان وردة اليازجي كانت بينهم الوردة الفواحة روحاً وخلقاً وكانت معهم جندية مجاهدة بل بطلة مكافحة في سبيل الحياة الحرة واللغة الصحيحة والاداب الحية والمجتمع الافضل والاستقلال الوطني في سبيل العربية والعروبة ، بما طبعها الله من مواهب ، واكسبها ابوها من معارف
وخصها اخوتها من اهتمام دفع بها وبرسالتها الى الامام !
تفتحت عينا وردتنا على الحياة عام ١٨٣٨ وما ان تفتح عقلها في سن الصبا الاول حتى كانت قصائد الشعر ومقاطع النثر تنطلق الى اذنيها ... فهذا ابوها الشيخ ناصيف يقرض الشعر وبديع النثر وهذان اخواها ابراهيم وخليل شبلات يلحقان بابيها وتجالسهم وردة الفتاة وتدرس معهم وعليهم وتنظم وتنثر وتنقح وتصحح صرفاً ونحواً وشعراً.. فشبت بين القواميس والمجامع والدواوين تفتش وتنقب وتستوعب خير الكلام والحكم ، وتروي خير الاحاديث والشعر والنوادر.
كانت هذه الاجواء الادبية والاجتماعية في البيت والوطن توحي الى « وردة العرب » ما توحي من ادب واجتماع ووطنية ، بدت في شعرها ونثرها محتفظة بعاطفة المرأة واخلاصها وغيرتها على الاسرة والوطن وواجبات الدين والدنيا. فلم يمنعها كل ذلك من ان تكون زوجة واماً . ولم يحل كل ذلك بين كونها سيدة دار وموجهة اسرة في تدبير المنزل وبين العلم ونشر المعارف وحضور الحلقات والحفلات .
فكانت بحق شريكة الرجل بحياته ورفيقته في جهاده ، سواء أكانت ذلك الرجل اباها او زوجها او اخاها .
وكانت وردة اليازجي تدعو شقيقاتها النساء الشرقيات الى العلم والمعرفة ومماثلة النساء الغربيات في الجوهر لا في القشور حتى يحق لهن فيها بعد المطالبة بالمساواة التامة مع الرجل .
وكانت تمدح العلماء والمتعلمين وتشيد بالوطن والوطنيين وتهيء المتفوقين الممتازين وتبكي فقد الصالحين وفراق الاحبة المخلصين .. وعاشت وردتنا جميلة مورقة عطرة ، خمساً وثمانين من السنين رأت فيها تقلبات الزمان والسلطان ، وتطور العلم وعجائب الايام وحققت فيها ما شاءته من وجودها الحافل بجليل الآثار .. واطبقت جفونها عام ١٩٢٤ هانئة مطمئنة .
لقد كانت وما تزال كما دعاها معاصروها « وردة العرب » وكان ديوانها « حديقة الورد » و« ورد الحدائق الشعرية » وكانت مقالاتها في « الضياء » مجلة اخيها وفي سواها ، ضياء النثر الصحيح والقول الفصيح ...
ولكن سامح الله المؤرخين فانهم لم يعنوا بمجموعة لانتاجها كله ولا بسيرة لعمرها المديد، ولا بدراسة فنية نفسية تحليلية لشخصية هذه السيدة الفريدة الخالدة .
فهل تنشط شقيقاتي الاديبات الى تناول مختارات من شعر هذه الزعيمة ونثرها، بالنشر والتحليل والى تبيان ما اختفى من سيرة حياتها بالاستقصاء والتفصيل !...
بيروت - ناهية غلمية



