... وتحين مني التفاتة الى النافذة فارى الثلج قد غمرها الى نصفها وارى الريح لا تزال تبذر الارض ببذار ابيض عجيب وقد محت منها معالمها وخنقت كل اصواتها وحبست كل انفاسها فلا الجبال جبال ولا الاودية اودية ولا اثر، لانسان او لدوبية او حشرة وبين الارض والسماء، لبد من السحاب الأغبر لا تنفذ العين من خلاله لمسافة خطوات قليلات وتدوم حالي كذلك مع العاصفة ثلاثة ايام متوالية تسد في نهايتها منافخ الريح أو تجري في خلالها الرعد وتنفذ جعبة البرق مثلما تنفذ مؤونتي القليلة من الوقود ومن المأكول والمشروب وتحترق آخر نقطة من الزيت في سراجي، فلا يبقى بيدي غير ثقاب واحد لا اكثر ولا اقل ويزحف الجوع والعطش والظلام والبرد علي من كل جانب ولا يذر الثلج حتى لعيني منفذاً من الخارج سوى نافذة صغيرة في أعلى الجدار فاتسلق سلماً وارسل بصري الى الآفاق القريبة والبعيدة وهناك ابصر ما لم تبصره عين واسمع ما لم تسمعه اذن، وماذا ابصر واسمع يا الله ؟
ابصر بساطاً فائق البياض لا اول له ولا آخر وابصرك في وسط ذاك البساط ومن حولك جسم من بني الانسان ومن سائر مخلوقاتك وقد اشتبك الجميع في عراك دام عنيف واسمعك تعطي الاوامر وتدير دفة العراك ثم ابصر:
ويا لهول ما ابصر - ابصر سواقي من الدم القاني تنساب على ذلك البساط الابيض والسواقي الحمر تتجمع في بحيرات حمر والبحيرات تتلاقى في بحر احمر هائج، وانت في وسط ذلك اليم تدور من حولك امواجه الحمر وتتعالى فتغمرك أعلى فأعلى حتى منكبيك ولكنها لا تزحزحك فادعوك وادعوك وادعوك فارتد ّ خائباً خائراً
أبصر بساطاً فائق البياض
مذعوراً من أعلى السلم الى الحضيض ولا اعلم مدى غيبوبتي عن نفسي وغيبتي عنك. واخيراً أفيق وفي رجفة من شدة الجوع والعطش والبرد وفي عيني ظلمة دامسة فاندب نفسي ويستسلم قلبي لشبح الفناء.
واذ ذاك يهتف بي هاتف فاذكر نيسان وما اهدى الي وتموز وما اهدى الي وايلول وما اهدى الي فاجمع ما تبقى لي من قوة وازحف في ظلمتي الى حيث الكأس والقلب والعينان وفي داخلي يأس صارخ.
أهذا كل جناي من ربيعي وصيفي وخريفي يا الله !
واقبل على كأسي فاجرعها ولا ابقي فيها ثمالة وتجري قطراتها جري السحر في بدني فاحسها في عروقي دماً سخياً قوياً واظفر بالقلب النابض فالتهمه بشراهة وللحال اشعر بنشاط ما شعرت قبل مثله قط فاراني قديراً على امتطاء صهوات العواصف واقع على العينين المطبقتين فاشعلهما بالثقاب الباقي لدي وبلمحة تشرق عيناي بنور لا عهد لهما بنظيره فيخر سقف بيتي من فوق رأسي وتتقاصر جدرانه ثم تذوب في فضاء طافح بالنور عابق بالاريج واذا بالبساط الابيض سهل فسيح واذا بيحور الدم مروج تموّنه بالاخضر وبالاصفر وبالاحمر وبكل الوان الارض والسماء واذا بمخلوقاتك المشتبكة منذ لحظة في عراك الموت والحياة تتعانق عناق الاخوة الأبدية في احضان ابوتك السرمدية وبينها هرتي البيضاء تحيط بها جماعة آمنة من الفئران والجرذان واذا بك يا الله في وسط
الكل ومن حول الكل من فوق الكل تغمرهم بسمة من بساتك وتهمس في كل اذن من اذانهم: من لم يرتو بدموعه لن يرتوي الى الابد. من لم يتغذ بقلبه لن يشبع الى الابد. ومن لم يحرق عينيه لن يبصر الى الابد، والذين ما سمعوا وما فقهوا اليوم سيسمعون لا شك في الغد ويفقهون.
فما اجلك
وما اعدلك.
وما اكملك
يا الله.
( في العاصفة ) البيادر
