
استطاع الطب في السنوات الأخيرة من تأخير وفاة المرضى المزمنين سنين عدة، عما كانت الحالة عليه في الجيل الماضي. ولكن الشعور الشامل هو أن تأخير الوفاة عدة سنين ليس كافياً، مادام المريض يعيش سنواته الأخيرة بالآلام والدموع وهو على يقين من أن أجله لا محالة قريب!
إن السبب الرئيسي للحالة الصحية الفاشلة التي نحن فيها، هو أن معظمنا لا يراجع طبيبه، إلا متى بلغت درجة المرض أقصى حدها واستحال معها شفاء المريض شفاء تاماً، لأن المرض يكون قد فتك به فتكاً ذريعاً واضطره على تحمل أعبائه مدى العمر ..
والطب في هذا العصر لا يكتفي بأن يزيد في عمرك عدة سنوات من الأوجاع الدائمة، ولكن يهمه أن يهبك بما لديه من مهارة، نشاطاً وصحة وأن تحيا سعيداً، كعضو عامل في بيتك ومحيطك وهذا لا يكون إلا متى تمكن الطبيب من استئصال المرض في أول أدواره، أو الحيلولة دون تأصله في أجسامنا.
خطا الطب في السنوات الأخيرة، خطوات واسعة في فحص الدم واكتشف آلات دقيقة جداً تمكنه من الكشف عن حالة القلب والكبد والكليتين والبنكرياس وعن العطل الذي قد يطرأ عليها قبل تأثر هذه الأعضاء، وقبل شعور الإنسان بالمرض. ولا ينكر أحد ما لهذه الاكتشافات من أهمية، إذ تمكن الطبيب من ضمان صحة مرضاه وقصر أمراضهم المزمنة إلى حد بعيد!
وهناك اليوم طرق جديدة لتحليل الإفرازات المختلفة والكشف عن ذرات السرطان في أول تكوينها واستئصالها دون أقل صعوبة. وسيكون لهذا
الاكتشاف عمل هام في تخفيض النسبة المئوية للأمراض العقلية والأمراض التناسلية في النساء.
ولم يقف الطب عند هذا الحد، بل توسع إلى دراسة الاستعدادات لمختلف الأمراض التي تنتقل بالوراثة والأمراض التي تتأتى عن نقص معين في المواد الغذائية. ولذا فلم يبق لنا من عذر لتعرضنا لهذه الأمراض وعدم الانتقاء من وقوعها وخير وسيلة لذلك هي زيارة طبيبنا الخاص كل بضعة أشهر للوثوق من أن أجسامنا صحيحة بعيدة عن الوقوع بأي مرض ..
ولا نغالي أن قلنا أن بعض الأطباء الحديثين يستغرق معهم الفحص الطبي لأول مرة نصف يوم بأكمله! يتطرق فيه إلى تاريخ أفراد العائلة والضعف المحتمل وجوده وتاريخ المرض عند الشخص نفسه مع تفاصيل دقيقة وافية عن سير حياته اليومية وأنواع المأكولات التي يحبها ويسرف في أكلها وعدد ساعات نومه، وكمية القهوة والشاي والمشروبات التي يتناولها الخ .. ويعكف على حياته العاطفية - نجاحها أو فشلها - ولا يصل بأسئلته إلى هذا الحد ويباشر بفحصه الطبي حتى
تكون عنده المعلومات الكافية لاكتشاف أي نقص والوصول معه إلى نتيجة مرضية. ومما لا جدال فيه أن الأمل بالشفاء التام هو أكثر احتمالا عندما يتسنى للطبيب أن يكتشف المرض في أول أطواره ولكن عندما تستفحل حالة المرض وتصاب الأعضاء المختصة بالعطب، يصعب عندئذ الشفاء ويبقى المريض في حالة من التوقي والأوجاع الدائمة.
ولذا يجدر بنا إذا رغبنا في دوام العافية والسعادة، أن نبقى ونحن في حالتنا الصحية الكاملة على اتصال دائم بطبيبنا، للتأكد من أنه لا شباك تنصب لنا في الخفاء داخل أجسامنا، لنقع في حبائلها فجأة ومن غير سابق إنذار. ولنبقى في وعينا التام عن النقص الصحي العائلي الذي نحن أكثر تعرضاً له من سوانا من الناس. فإن كان في عائلتنا مرض «السكري» مثلاً فلنتجنب الإسراف في تناول الكربوهيدرات على اختلافها، ولنفحص دمنا لهذا المرض، قبل أن تتفاقم حالته فيظهر في الأدوار ويستحيل معه الشفاء.
وقديماً قيل: «درهم وقاية خير من قنطار علاج».

