


كان الداء يمشي في شرايين ابو شبكة ويخالط دمه، وتأكل الكريات البيض زميلاتها الحمر، مشية الواثق من سلطانه، المطمئن الى انتصاره.. فما استطاعت الكهرباء، ولا خلاصة الكبد، ولا العلاجات الاخرى ان توقف سيره. ولم يكن الشاعر يدرك خطورة دائه. وما عرف احد منا، نحن رفاقه، الباعث الحقيقي لما كان ينتابه من اعراض. فتارة كانوا يقولون له انها اعراض تضخم في الطحال، فيصدق قولهم ويردده لنا، وتارة اخرى يظنها هو ناتجة عن قطعة «شنكليش» تناولها على كأس من العرق، فما كاد يغفو في فراشه حتى استيقظ على اوجاع شاعت في عروقه، لا تذكر بالقياس اليها اوجاع الحبلى اذا تعسر الوضع.
ولازم سريره في الزوق شهراً كاملاً على اثر ما تصوره تسمماً بالشنكليش. ثم اشار الاطباء عليه بالانتقال الى المستشفى فتتوافر له وسائل العلاج في بيروت اكثر منها في الزوق. ففعل. فعاودته الاوجاع في المستشفى ملحة، قاهرة، مجتاحة. ووقف الطب امامها حائراً، مبلبلاً، عاجزاً، يراقب تطور الداء، ولا يملك سوى
فلما عدت الشاعر اصيل يوم السبت ٢٥ كانون الثاني ١٩٤٧، رأيت كاهناً كاثوليكياً بالملابس الطقسية يخرج من غرفته بعد ان اقتبل اعترافه وزوده بالاسرار الآلهة. فعلمت ان ساعة الانفصال عن هذه الارض قد دنت. فاغرورقت عيناي بالدموع، فتوقفت قليلاً ومسحتها ثم تابعت السير ودخلت الغرفة وانا اتكلف الابتسام، واقتربت من سرير المريض، ابسطه واتندر على الاطباء، واذكر كيف انهم كثيراً ما يخطئون التشخيص واروي قصتي معهم يوم حكموا علي بالموت العاجل منذ خمس سنوات.
فانفرجت شفتا الشاعر عن ابتسامة مغتصبة، وقال بصوت خافت كأنه يتابع حلماً:
- .. عصفور صغير! طار، طار، وهبط.. ما يستطيع عصفور صغير؟!
وكانت هذه العبارة المتلاشية آخر ما سمعته من فم ابو شبكة، فقد لفظ نفسه الاخير حوالي الساعة الرابعة من صباح الاثنين ٢٧ كانون الثاني ١٩٤٧ بين يدي «غلواء»، - غلواء التي تفتح قلبه على حبها، واغض عينيه على صورتها ..