

لم يشعر الانسان الاول في عصور قبل التاريخ الا بالحاجات المادية كالطعام واللباس والمأوى ، ولكن تقلب مطالب الانسان وافكاره كان متناسقاً مع تقلب الدهر واحواله ، فنقل لنا تاريخ الحضارات القديمة ان الانسان لم يكتف بتأدية الحاجات المادية ، لكنه بدأ يشعر بحاجة اسمى وأكمل وهي التعبير عما يجول بخاطره وما يختلج في نفسه فاكتشف الكلام ، ثم المسجع منه ثم الموزون المقفى وبدأ يلحنه وهكذا عرف الغناء .
وأقدم الشعر قيل الغناء في المعابد والمجتمعات ، واقدم المعاني التي تضمنها الشعر الغنائي كانت لتقديس الآلهة وتمجيدها والترتيل في عبادتها ، وللاعراب عن نزعات الشوق والوجد ، ولعله لهذا السبب كان الغزل من اقدم اغراض الشعر العربي المعروفة ، وآثاره لا تزال محافظاً عليها في مفتتح القصيد الجاهلي على مختلف اغراضه ، ولهذا ايضاً يقال : « أنشد شعراً » لا « قال شعراً » لان الشعر في الاصل للترتيل والغناء .
وهكذا كان يطوف الشاعر اليوناني ( هوميرس ) في طرقات اثينا وينشد الحانه العذبة مصطحباً مزهره الرقيق ، شاكياً احواله ، باكياً أتراحه ، مبتهجاً لافراحه ...
والغناء قديم عند الشعوب المتحضرة القديمة ، ولم يكن للعرب قبل ان يأخذوه عن الفرس والروم الا الحداء والنشيد وكانوا يسمونه ( الركبانة ) واول من نقل الغناء الاعجمي الى العربي من اهل مكة : « سعيد بن مسجح » وذلك انه مر بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام في ايام عبدالله بن الزبير فسمعهم يغنون بالفارسية ، فقلب انغامهم في شعر عربي وأخذ محاسنها ،
فكان اول من انشد الغناء العربي في مكة ، وهو أستاذ ابن السريج المغني المشهور . ويقال ايضاً ان اول من غنى بالعود فتى من اهل المدينة كان يدعى : « سائب خائر » وقد نقل الحاناً للعربية عن الفرس ايضاً ، واخذ عنه معبد ، وابن السريج ايضاً ، وجميله ، وعزّه وغيرهم .
واول من صنع الهزج عند العرب رجل كان يدعى « طويس » وكان يلقب بالذائب .. لانه غنى :
قد براني الحب حتى
كدت من وجدي اطير
ولما دخل المسلمون الاندلس في بدء القرن الثامن عشر ونشروا فنونهم وثقافتهم فيها ، قلدهم الغربيون بأساليبهم وآدابهم لانها كانت المثل الاعلى في الذوق والكمال . لكن الاندلس نفسها لم تتأثر بالثقافة والعلوم تأثرها بالموسيقى والغناء ، وذلك في عصر الادب المزيجي ، عصر الموشحات والزجل والشعر الغنائي ، فالموشح ، على ما له من القيمة الفنية وليد ارض الاندلس من حيث الموسيقى ومقتبس من العرب من حيث القالب .
ألهم الله مخلوقاته وايقظ مواهبهم ، وقدّر لبعضهم منح اثر عطاياه المرتكزة على فهم كنه الجمال ، واطلاق عنان الخيال ، ودقة حاسية السمع ، وغزارة العاطفة والدمع ، تلك العطايا او الهبات التي نلمسها في لوحات الرسامين والحان الشعراء وقطع الموسيقيين وكتابات الادباء . فالفنون الجميلة تجذب الانسان الذي تربطه صلة روحية بها ، اي الذي يبكي لبكاء الموسيقي والشاعر ، ويصفق ابتهاجاً كلما اكتشف مظهراً من مظاهر الفن والجمال ويطرب ويهتز عند سماع الانغام الشجية
ويعرف محاكاة الطبيعة ، فتسمو روحه الى مالا نهاية له من لمس القوة الالهية الساحر واكتشاف اسرارها . تلك هي النتيجة التي يرمي الوصول اليها كل فنان وكل مقدر للفن لان كل فن كامل هو صورة رائعة من صنع الله مخطوطة بيديه حين غيبوبة الفنان .
ولعل الموسيقى من اكثر الفنون انتشاراً بين الناس على مختلف طبقاتهم ودرجات تحصيلهم لان الامي والمتعلم ، الكهل والطفل على اتم استعداد لتذوق الالحان وفهمها ، بيد ان الشعر والرسم والنحت وغيرها من الفنون الجميلة تحتاج الى معرفة واسعة وذوق سليم للتفريق بين جميلها وقبيحها وللتمكن من فهمها ونقدها وتحليلها . والموسيقى ، على حد تعبير طاغور ، « هي انقى وضع للفن واول تعبير ، واصح بيان عن الجمال في شكله وروحه ، بل هي اقرب لغة لاخضاع القلب وليست الا وصفاً محدوداً من اللانهاية ، فهي الصمت البليغ الذي تلهمه الطبيعة قلوبنا بمباهج مناظرها » واني لاذكر ما قاله احد الحكماء من العرب : « في القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على اخراجها باللفظ فاخرجتها النفس بالالحان » . اضف الى ذلك ان الانسان مفطور على حب الموسيقى ومطبوع على الانس بها لان لا يسكنه في مهده الا المهدهدة الموزونة والنغمات الناعمة الرخيمة التي تحول الطفل الحاد المزاج الى طفل هادي وادع يصغي بامعان لما يسمع ، وما ان تألف اذناه الصوت الرقيق حتى يغط في سبات عميق . واذا كان هذا اثر الموسيقى في الانسان طفلاً فكيف يكون اثرها فيه شاباً ، وقد اخذت مشاعره تنمو بنمو جسمه وعقله ؟!