في غمرات الأسى وتلاحق الخطوب، تناهى إلى «الصوت»، لأسجل نهضة المرأة ونشاطها في فلسطين، ومسايرتها لركب التقدم النسائي العالمي، لعدد المؤتمر الخاص فيه.. فلسطين!؟ وما هي والركب الآن، وقد هوت مصغرة الجبين، مزرقة الضلوع، سلبية الكيان، نخينة الجراح..؟ وهل لفلسطين السير، وقد خاب الرجاء، وتعاقبت الظلمات.. وأيان السبيل!؟ أين يا هادي الطريق، لقد جرت!
أيان السبيل - يا قادة الركب - وقد خبا المنار، وانطوت الراية، وسكت الندي، وخلت الديار؟! صه! فتلك قوافلهم تجد الرحيل، وذلك حاديها يجلجل في الآفاق نداؤه، يهز القلوب ويصك المسامع. فلسطين بعد الأندلس..!؟ لك الله.. تسقطين صرعى فما يذكرك بعد اليوم منها ذاكر، لا ولا تخفق الأعلام في أرجائك وتسير المواكب!؟ بل الملائكة حول مصارع الأبطال هناك تطوف، حانية هاتفة: مهلاً: عابر السبيل قف خاشعاً حاسراً، لا تطأ بقدميك الأرض، فلتلك مثوى الشهداء، كل بقعة لهم فيها روضة، وعلى كل ربوة من جهادهم علم!
... وماذا هناك أيها «الصوت» القوي المبين غير الأسى والدمع وفيض الدماء؟! ويا ويح فلسطين، هل لجراحها من ضماد؟! إذن لتكن هذه السطور عن نهضة المرأة فيها، من فيض ذاك المداد، ووحي هذا الجهاد، فإن لها فيه رسالة وسفراً.. وأية نهضة للمرأة الفلسطينية وأي كفاح!؟ لقد استطاعت على الرغم من الثورات المتلاحقة والتي بلغت الثماني منذ سنة ١٩٢٠ حتى أوائل سنة ١٩٤٨، وعلى الرغم من المخصصات الضئيلة للتعليم في عهد الاستعمار، والتي لم تكن لتتجاوز الأربعة في المائة، أن شق طريقها للأمام قدماً، فنراها تجتاز مراحل التعليم الابتدائي،
فالثانوي، ثم تؤم الجامعات في الشرق والغرب للعلم وتتولى فيها بعد مقاليد التدريس والعمل الاجتماعي، وتمارس الطب وتصل إلى الدوائر، ونرى الأمية تتضاءل في المدن الكبرى حتى لتوشك أن تنمحي، ومن ثم تنبثق تلك النهضة عن وعي قومي شامل، تجلت آثاره في مختلف ميادين النشاط الاجتماعي والثقافي، ساطعة، بالغة الأثر..
ذلك في المدن، أما في الريف الفلسطيني، حيث تنتشر مئات القرى، فلم يكن للقرويات فيها غير عشر مدارس صغيرة يقضين فيها فترة لا تتجاوز العامين، وهذا الزمن الوجيز للدراسة مع انقطاع النشاط الاجتماعي والثقافي في محيطهن، لن تكون له نتائجه الحية. على أن تضحيتهن في ميدان النضال، لتأخذ مكانها في سفر الكفاح، كسطر من السطور المضيئة الخالدة! ولقد
زكا هذا النشاط في المدن، ولعل أسطع دليل على الشعور بالمسؤولية القومية، هو نهوض العاملات في الحقل الثقافي واضطلاعهن بعبء إنشاء مدارس أهلية ابتدائية وثانوية لحفظ المستوى العلمي العام من الانهيار والتقهقر إبان المحنة! أما في الحقل الاجتماعي، فلقد تعدد نشاطها، حتى بلغ عدد الجمعيات النسائية في مدينة
يافا العربية سبع عشرة جمعية حين انتظمن في صف واحد - للكفاح - إثر قرار التقسيم. كذلك سارت القدس - العاصمة - في الطليعة وساهمت في كل ميدان، كما شمل هذا النشاط بقية المدن.
وأعرض الآن لذلك النشاط، وتلك الجهود في لواء السامرة - المركز الثقافي للواء - وتتركز في ثلاث مؤسسات وهي: الاتحاد النسائي، رعاية الطفل، ودائرة الشؤون الاجتماعية..
فالاتحاد النسائي كان قبل انتسابه للاتحاد المصري في القاهرة سنة ١٩٣٨، جمعية أسست بجهود المرحومة رئيسته، الآنسة مريم هاشم سنة ١٩٣١ باسم جمعية السيدات العربيات، ولم يسجل لاعتبارات سياسية قاهرة إلا في سنة ١٩٤٥. ولقد جاهد منذ ذاك الحين جهاداً مبروراً في الأعمال الخيرية وتعليم الأميات ورعاية أيتام الشهداء وإيفاد اليافعين منهم للملاجئ والمدارس الصناعية حتى استووا رجالاً عاملين، كما كان يؤهل البنيات لحياة شريفة عاملة في تعليمهن، ولثانية رئيسة الاتحاد الآنسة الكريمة عندليب الصمد في هذا

