
صديقي الدكتور العزيز ،
لقد سمعتك مرة تقول « ان اجمل مديح استعذبته ، وابلغ تقدير لقصيدة القيتها هي هذه العبارة « يخرب بيتك يا فياض » وقد كان ذلك امام حلقة كبيرة من اديبات وادباء لبنان جاءوا يحتفون بتكريمك وحبيبتنا النابغة ( مي ) في بيت استاذنا المرحوم جبر ضومط على اثر حفلة خطابية رائعة في الجامعة الاميركية .
وها هو التاريخ يعيد نفسه وبعد مرور عشرين سنة ونيف ، تقفز هذه العبارة أل « يخرب بيتك يا فياض » من بين شفتي الشخص نفسه اثناء القائك لقصيدتك بالامس في الجامعة نفسها تكريماً لرئيسها النبيل بايرد دودج ورفيقة حياته .
نعم يا صديقي ! انا هي بالذات هذه الانسانة التي تفوه بهذه العبارة مرة اخرى فقد اتتني عفواً كما فيما مضى وبغير ارادتي ، دون ان يترك لي حتى الاختيار او التحوير لما يتفق واغتباطي وسروري في تلك الساعة التي اصغيت فيها الى صوتك وانت تلقي رسالة الوجدان والحنان ...
والغريب الغريب انه لم يحضرني شيء سواها اقوله يعرب عن غبطتي واعجابي وتمنياتي لهذا المنشد الخلاّب وتجاه هذه الالفاظ الساحرة ولكن هذا هو انا وهذه هي بضاعتي على ما يظهر ، كلما يشتد بي الحماس لهذه الدرجة من الاعجاب والبهجة . وهل فياض يفتقر لمديح او ثناء او دعاء يأتيه من لساني ويدي ، فعنده من هذه البضاعة اللفظية الحلوة الخلاّبة ، الشيء الكثير الحمد لله . كل ما هنالك هو اني سريت عن نفسي لما وجدتني في غرفتي لوحدي وفي هدأة الليل ، حرة من جميع القيود اللفظية والاصطلاحات المسلكية ، ففتحت مكامن نفسي ودموعي المكبوتة وانطلقت في دنيا الفكر الانساني والمثل العليا - الدنيا التي تبرأ من هذه الممتلكات ، والكنوز المادية ، هذه البيوت الحجرية الآيلة الى الخراب حتماً ان لم يكن عاجلاً فآجلاً ، الى الدنيا التي خُلق فياض منها ولها ، تلك التي وان هجرها وتنكر لها
احياناً مختلقاً لذلك بعض الاعذار التافهة - فهي لا تلبث ان تمدّه بما خصه به الله من دفقات وجدانية كمثل هذه الدفقة التي جرّدتني عن كياني الجسدي وجعلتني أصيح باعلى صوتي « يخرب بيتك يا فياض » !!!
والآن ، جلّ ما اريد معرفته ، هو فيما اذا كان مرور الزمن قد غيّر من وجهة نظرك وحكمك فيما يبلغ أذنيك ، او يقع تحت ناظريك من هذه الهمسات اللفظية والتقدير المرتجل - وفيما اذا كنت لا تزال تقرن الخراب بالجمال ، والحس المرهف بمثل هذا التعبير اللفظي الصاعق - هذا الذي يدعو عليك بالخراب ، بينما انت تغدق علينا بأطايب الروح ، ونفائس الوجدان .
اما عما يخصني يا صديقي فاني بالرغم عما اراه حولي وفي جسدي من الخراب والتدمير والألم ، لا زلت اتحدى الزمن ، والعمر والألم المرير ، فأحلّق سمواً وعلواً كلما هبت علي نسمة من روح الله في اي شكل او مظهر من مظاهر الطبيعة الخلاّبة ، او نفثة قدسية ينفخ بها احد الابرار المصلحين ، سواء أكانت قولا ، او عملاً او دفقة فياضة تخرج من صميم الوجدان - الوجدان وحده لا غير ...

