في اواخر صيف عام ١٩٢٤ كانت الباخرة ( برازيل ) تغادر مرفأ بيروت الصاخب ، وكنت على ظهر الباخرة كالحالم ، أكاد لا اصدق اني فزت بتحقيق امنية عزيزة طالما دغدغت احلامي الفنية ، وها انا قد فزت اخيراً بالسفر الى مهد الفن والجمال المدينة الخالدة روما .
روما ، المدينة الخالدة ، كما يدعونها ، والتي كانت محجاً لكبار الفنانين ومثاراً لعبقريتهم ومورداً عذباً لنبوغهم ، وهي مهد الفنون ومستودع الفكر منذ اقدم العصور ، الا تستحق ان نتحدث عنها ولو بعض الحديث ؟ .
بلى ! انا لم انس روما ولا الفن ، غير اني لا ازال حديث العهد بها ، وها انا قد استقر بي المقام ، اقدم صوراً خاطفة عن مدينة الفن ، مدينة جول سيزار وكاراكلا وتيتوس وسيبون . بل مدينة رجال الفكر والفن . غاليليه وبترارك وتاسو وماركوني . مدينة ميكالنجلو وليوناردو ورفائيل وكوريج وغيرهم ممن رفعوا بمجد الفكر والروح واقاموا اسس هذه الحضارة العظيمة .
هناك حركة ولا حركة . هناك جماهير ولا ضجيج ... وبين هذا وذاك ، ترى باعة الزهور عند كل منعطف . وقد قام على طريق الشارع ابنية شاهقة ذات هندسة رائعة ، كلها الفن والانسجام ، وقد ظهرت في بعض زواياها تماثيل منها رمزية ومنها واقعية لبعض النابغين من علماء وادباء وفنانين . وهل تراث الامم الراقية حقاً بأجمل من هذه الوجوه اذا ذكرت الحضارات واحترمت الامم ؟ ...
وقد لا تخلو بناية من بعض النقوش الزخرفية ، وهذه الابنية امتدت بخط مستقيم لا ترى العين له آخر . واذا نظر الانسان الى محال الباعة من البقولات والجبن واللحوم والازهار اخذته الدهشة من حسن ترتيبها ونظافتها . واذا حدثتك نفسك ودخلت محلاً للمرطبات او لمقهى رأيت عجباً وزادت قابليتك . نظافة بالغة ترتيب تام اعتناء بالغ وهدوء مريح .
والحق يقال ان المرء يكاد لا يسأم من النظر في ما حوله ، اذ انه يجد دائماً تجديداً . فبينما هو في الشوارع بين الابنية الشاهقة والحركة الدائمة ، اذ به يفاجأ بنظر حديقة جميلة ناعمة الازهار لطيفة الغرس فياحة الشذى ، جثمت في وسطها بركة يتدفق منها الماء .
واحياناً تجد في وسط الشوارع الطويلة ساحات عامة اقيم في وسطها تمثال لاحد نوابغهم او لزعمائهم وابطالهم ومعلميهم فيذكرك حالاً بتاريخهم المجيد ويبرهن عن تقديرهم للعاملين ...
هي الساعة الرابعة ، والعائلات بدأت ترد مع اطفالها ، وهنا على ذلك المرج الاخضر ، كتل من الاطفال يلعبون ، وبقرب كل منهم اما امهاتهم يقرأن او يحكن البسة لهم .
وهناك في الجانب الآخر بدت



