ان ما اقصده بالأدب النسائي هو ما تنتجه اقلام كرام سيداتنا المثقفات في ايامنا هذه ، ممّن يؤلفن الباقات الطيبة النـاضرة في المجتمع ويرفعن اصواتهنّ مطالبات ومستنهضات ، داعيات لاصلاح ، او مدافعات عن حقوق مهضومة كما يزعمن .
ان نشاط الحركات النسائية في المجتمعات ، نشاط ملموس والحمـد لله ، والخطوات التي سجلتهـا الايام للمرأة العربية خطوات سريعة موفقة . وممّـا لا ريب فيه انّ يقظة المرأة واقبالها على العلم الذي وسّع افـق تفكيرها وانار سبيلها هما العاملان الدافعـان الى ذلك النهوض والى تلك الهبة من الرقـاد الطويل . فكان من نتائج ذلك ان كثرت حاملات الشهادات العـالية ، وماشت الفتاة الفتى في كل ميادين التحصيل مظهرة في كل ذلك نشاطـاً ونجاحـاً وكفاءة .
لكننا ، اذا مـا حبنا نعمن النظر في انتـاج المرأة العربية ، التي تعيش في عصر من احفل عصور التاريخ عجائب واوسعهـا حضارة والمعها نوراً وضيـاء ، وجدناه الى جانب انتاج الرجل معدوماً او بعبارة اصح ضئيلاً لا يفي بالحـاجة .
وكثيراً مـا اسائل نفسي عن سبب ذلك فاحار في ايجـاد الجواب المقنـع وأكاد لا اجـد لذلك تعليلاً ، اللهم ، الا افتراضات قد اقتنع بها الى حين لـكن غيري قد لا يجد فيها مبرراً .
اترى ، يعني هذا الاجحاف ان المرأة تختزن المعلومات لنفسها ولا تتخذ منها وسيلة ، او مادة لصقل افكارها واظهارها جليّة واضحة ؟ ام ان المرأة مقصرة في ميادين الادب تحصر انتاجها في كثير من الاحيان على « النسائيات » التي تعيرها اهتماماً كبيراً ؟

اما اذا كانت المرأة اليوم تسعى وراء التحصيل والعلم لتنـال الشهادات العالية وكل همّها ان يقـال عنها متعلمة راقية أو ان تصل الى وظيفة تؤمن لهـا العيش في بحبوحة ورغد فإن هـذا لا يرفعها كثيراً في نظري عن مصاف غيرها ممّن لم يتح لهن ان يتعلمن .
انا لا اغفل اديباتنا العربيات اللواتي تلمع اسماؤهن اليوم في كل قطر شقيق ويجـدن الواناً من الادب ويتحفننا من حين الى حين بنفثات جميلة من اقلامهن . ولكن ذلك قليل اذا قيس بسعة النشاط النسوي اليوم وبعدد المتعلمات الراقيات في كل قطر عربي .
لقد كانت المرأة في الجاهلية ، محرومة من كثير من الحقوق التي يتمتع بهـا الرجل ومع ذلك فقـد كانت اديبة بالفطرة تتذوق الشعر وتنشره وترسله طلقاً جميلاً . ثم جاءت بعد ذلك العصور الاسلامية فلـم يخفت اثر المرأة الادبية وان توارت هي وراء الاستار وفي ظلال البيوت ، حتى كان العصر الاندلسي الذي تحررت فيه المرأة من كثير من قيودها واتيح لهـــا ان ترى مباهج الحياة عن كثب وان تشترك في الـكثير منهـا ، فضفا امامهـا الجو وراق الافق واتسع الميدان لجولتها فبرزت وسجلت لنفسها نجاحــاً في كل لون من الوان العلم وتركت اثراً في كل ناحية مـن مناحي الحياة وتبوأت مركزاً مرموقاً في الادب والفن واقامت لنفسها الصالونات الادبية تجتمع فيها الى كبار العلماء فيدرس الجميع معاً وفي جو واحد امور العلم والثقافة .
اما في العصور الاخيرة التي تلت عصور الادب الزاهرة فإننا لا نكاد نلمح لها ظلاً ولا نلومها على ذلك فان ظلامـات تلك الحقب القت على انتاج الرجل ستاراً كثيفـاً فكانت بحق عصور الانحطاط والوهن الادبي .
لكننا اليوم نطالبها ونلومها علـى هـذا التواني وذاك التخلف واملنا الاّ تقصر بنشاطها علـى التحصيل لترمي عن عاتقها في النهاية امور الحيـاة الفكرية وتنصرف بكليتها الى مظاهر الحيــاة وقشور المدنية .
ان المجتمع متعطش الى جهود المرأة والادب بحـاجة الى جهادهـا في سبيله وباستطاعتها ان تمده بوافر محصولها وجميل تراثها فتساهم عند ذلك في النهضة الحديثة مساهمة حقيقية والحيـاة ملأى بالصور والمآسي والحادثات التي لا يحسن رسمهـا وصوغهـا في قالب شيق واسلوب رقيق ولوحات معبرة إلاّ بيان المرأة التي تمزج روحها مع الحوادث وتعطي من نفسهـا في معالجة المشاكل وتؤاسي ما استطاعت كل متألم عانٍ .
وانني اتمنى لاختي العربية أن تشق طريقها الى كل ذروة في الحياة والا تحرم بعد اليوم من آيات شعورهـا وخطرات افكارها ونفثات قلمهـا الحساس اللبق وهي ان التفتت الى ماضيهـا استوحته القوة والعزم والثبات وتيقنت انهـا لم تكن يوماً شخصاً متوارياً مستوراً .

