«أنهلي» - نشيد رمزي قومي بولوني الاصل ترجمة الاستاذ يوسف داغر، في ١١٦ صفحة، قطع متوسط، طبع انيق.
هذا النشيد يتصل بالشرق من ناحية ان مؤلفه جول سلوفتسكي البولوني زار الشرق في الربع الثاني من القرن الماضي وأقام في لبنان بضعة شهور وضع في خلالها نشيده الخالد «أنهلي».
لكن ليس في النشيد شيء من وحي الشرق الا ما علق في ذهن المؤلف من روح الكتاب المقدس واسلوبه الشعري. وهو بمجموعه حكاية رمزية تصف رحلة خيالية على مثال رحلة دانتي الى العالم الآخر او رحلة صديق المعري في رسالة الغفران - لكنه موضوع في اسلوب يجمع كل مزايا الشعر من خيال وتصوير في عبارة جزلة كثيرة الاناقة ذات صبغة رومنطيقية.
هو رحلة «أنهلي»، بطل النشيد الذي يرمز الى المؤلف نفسه الذي عاش في غمرة من التصوف القومي، برفقة نبي حكيم، مطوّفاً في مجاهل سيبيريا حيث شُرد البولونيون الذين نفاهم القيصر، وسيبيريا هنا رمز العذابات التي ذاقها البولونيون في كفاحهم وتشريدهم عن وطنهم. طواف يريه عن كثب ما آلت اليه حالة المنفيين من آلام وشقاء، ويصله ببعض ابطال الكفاح وضحاياه، او بزعماء الاحزاب الذين أدى تنافسهم الى الشقاق في صفوف ابناء الوطن وساقهم الى الوهن والتشريد.
في خلال الرحلة يُقتَل النبي على ايدي بعض السكارى المعربدين ممن أذلهم النفي وعبث بهم الشقاء. وبعدئذ يقدم البطل نفسه ضحية يضمها الى ضحايا شعبه لعله يكون فيها عزاء او كفارة وفدية للشعب من محنه ترفع عنه كابوس العذاب.

وكأن فكرة الافتداء تؤتي في النهاية ثمارها اذ يظهر في الفصل الاخير من يدعو الى ثورة تهزّ عروش الملوك وتزعزع التيجان عن رؤوسهم وتشرّدهم في الآفاق. لكن أنهلي يبقى في رقاده الاخير لا توقظه الاصوات ولا يعرف أنجحت الثورة في بعث بولونيا ام لا.
في النشيد مواقف تفيض بالروعة والجلال وتدنيه من اسلوب الملاحم الفخمة
التي يخلع عليها الخيال الرفيع وصور الفائق الطبيعة، الواناً من السحر.
وتتردد في خلاله فكرة الحنين الى الوطن والفناء في حبه، بصورة تجعلنا نلمس لمس اليد مأساة الامة البولونية، وترينا كيف يوحي الكفاح القومي والالم الخالص بروائع الفن.
وقد ترجمه الاستاذ داغر باسلوب بالغ الاناقة يبعث في سطوره جو الرمز والروعة الفنية، وقدّم له مقدمة حسنة عن حياة الشاعر ومغزى تأليفه، كما انه كان اميناً في نقل الشروح التي توضح ما خفي من معانيه واشاراته. على اني لاحظت هناك هفوات لغوية لا ادري أمصدرها المطبعة ام ضعف التحقيق.
ر.غ.

