غير خاف عليك ، انك في عصر تسود فيه قوى الهدم اكثر مما تسيطر عليه قوى البناء ، وتظفر منه الفوضى بأكثر مما يظفر منه النظام ، وهو اقرب الى الاعتلال منه الى الصحة والعافية . وغير خاف عليك ان هـذا العصر اصبح يطبق الخير والشر مختلطان معاً اختلاطاً مفسداً ، والقمح والزؤان ينموان في المزرعة نمواً مضطرباً ، واصبح من ألزم اللوازم لكل من يريد ان يعيش عيشة نافعة ، ان يتعلم علم الخير والشر حتى يستطيع ان يفرق بين الصالح والطالح . ومن الغريب ان في هذا العصر زيفاً كثيراً وصدقاً كثيراً ايضاً ، فيه قوى هدامة عنيفـــة وقوى انشائية عظيمة ، فهو عصر غني - غنى مسرفاً وفقير فقراً مدقعاً في آن واحد . وأعجب من هـذا انه يفسح المجـال للمصلحين ويفسح المجال للمفسدين على السواء .
والقوى العاملة في هذا العصر شديدة كثيرة . غير ان هناك قوى اظهر من غيرها ، وكلها تدفع به الى التضعضع والتزعزع والاضطراب . وأولى هـذه القوى هي الروح التجارية النفعية . فأنت تعرفين ان هذه الروح غلبت في الفترة الاخيرة . وأقصى ما تستطيع ان تقيس
به نجاحها هو تصريف بضاعتهـا المادية والفكرية ، ودون تفكير بين الاشياء والافكار التي تدفع بها الى السوق فهي تريد ان تبيع ، وأن تبيع فقط ، ولا يهمها بعد ذلك ماذا تبيع : أهو مفيد صالح؟ أهو ضروري لازم ، أم انها تبيع غـير هذا وذاك . فما اشبه العصر بمخزن فسيح فيه كل شيء من اللوازم والكماليات ، من الضروري وغير الضروري ، من الصالح والضار من الافكار والعقائـد والمذاهب والآراء ، والكتب والمجلات والصحف والأشرطة السينمائية المختلفة . والناس يدخلون هذا المخزن الفسيح دون ان تكون لديهم فكرة واضحة عما يحتـاجون اليه .
فكوني على حذر ايتها الأخت اذا دخلت هذا المخزن ؛ وكوني على علم بمهارة البائعين ولباقتهم ، فالحياة الطيبة تحتم عليك ان تتعلمي علماً به تميزين بين ما تحتاجين اليه وما لا تحتاجـين ، وبه تقاومين لباقة البائعين وتردّين كيدهم في نحرهم . هذا العلم هو « علم القيم » فان حصلت على قدر وافٍ من هـذا العلم استطعت ان تسيري في هذا العصر - في برج بابل هذا - بقدم ثابتة وعين بصيرة واذن واعية .
وثمة قوة اخرى في هذا العصر ، الا وهي قوة العلم . وهي قوة فاتنة جذابة تستطيع أن تعدّد لك خدماتهـا الجليلة التي قدمتها - وما زالت تقدمهـــا - للانسانية في العصور السابقة وفي هـذا العصر ، وتستطيع ان تدعي انها تعمل على رفاهية الانسان .
ولشد مـا ترغبين في ان تتزودي من العلم بكل ما اوتيت من قوة ، ولشد ما تتخيلين ان العلم وحده هو القادر على ان يرفع البشرية الى القمم التي لم تبلغها الى اليوم . وعلى ان يضبط كل ميادينها ، ولشد ما تضعين ثقتك في العلم وتؤمنين به ايماناً تتصورين به ان كل ما لا يخضع للتجربة باطل ، وان كل ما لا يقاس بمقاييس العلم هراء وسخف ، وان كل ما لا يرضى عنه العلم ويباركه موضع للشك والريبة والاتهـام .
تزودي من العلم بكل ما اوتيت من قوة فالعلم نور ، ولكن حـذار ! ففي علم هذا العصر من النار اكثر بما فيه من النور ، والفرق بين النار والنور كالفرق بين التخريب والتعمير ، كالفرق بين الضلال والهدى . تزودي من العلم بكل مـا اوتيت فما تفوقت الامم الا بالعلم . ولكن حذار أن تؤمني انه قادر على أن يضبط كل ميادين النشاط الحيوي فمنهـا المادي ومنها المعنوي فالعلم ان ثقّف العقل وبلغ به الاوج فهو لن يستطيع ان يفعل شيئاً في ميدان الخلق وميدان الروح . فهو لن يسمو بخلقك ولن يهذبه وهو لن ينفخ في روحك حرارة الايمان . وما اشد حاجتنا يا اخت الى الخلق الفاضل والايمان العميق في هـذا العصر الذي تزعزعت فيه المستويات الخلقية والمعايير الادبية واضطربت فيه النفوس وعبثت بها الريب والشكوك والظنون ، ونظرت الى العوالم الروحيـة والمعنوية - وهي عين العوالم التي لا يبلغها العلم - نظرات القلق والاتهام .

