ان نداء الواجب، يدوي في اعماق الضمير وخفايا النفس، فان كان للضمير يقظة، وللنفس حياة، لبي النداء بحماس وأجيب بصدق واخلاص. وإلا فالصوت مخنوق تجلجل عليه ميول صارخة تنحرف الى ما لا قرار له من مجاهل الخلق.
وكما ينهض الفرد وتندفع الجماعات، للمطالبة بحقوقهم المشروعة، بدافع من الكرامة الانسانية، وشعور قوي بالعزة والاباء، كذلك هم يبادرون الى تأدية الواجبات بحافز من النبل الانساني، واحساس عميق بالذاتية المثلى، وهذا بدرجات متفاوتة في نظام التكميل، متأثرين بمدى مدارج الرقي التي صعدوا بها نحو الكمال.
وحينئذ ترى منهم من يسرع الى اتمام الواجب، مضحياً بالنفس والنفيس، ومنهم من يدوس الواجب ماراً فوق الضحايا، مستأثراً بالنفع مستسيغاً لذة الاضرار.
وكلما عظم خطر الانسان، اتسع ادراكه لمجموعة اشمل من هذه الواجبات الكثيرة التي لا تحصى.
وان اردنا الايجاز في تعريفها. فهي تقسم الى واجبات ذاتية، اي من المرء لذاته، وواجبات غيرية، اي من المرء لغيره. وهذه تتسع لتشمل الوطن، وتمتد عبر الحدود والحواجز لتسع الانسانية جمعاء.
اما الواجب الذاتي، فكثيرون هم الذين يجهلون اثره في تكوين الفرد وانماء الشخصية المثالية.
ان غريزة الاثرة، كثيراً ما تكون حافزاً للقيام بتلك الواجبات. ولكنها كثيراً ما تضلل صاحبها اذا فقد الدافع الادبي والتوجيه التربوي الى الخير والكمال.
وحينئذ يخطئ المرء في فهم الواجب، ويخطئ في الوسيلة واسلوب العمل للنهوض بأعبائه.
ومن اهم الواجبات الشخصية، المحافظة على الجسد من الشرور والامراض،
وتحصين النفس وتنقيفها وحفظها من الزلل والسقطات التي تلاشي معنوياتها وتتركها جوفاء فارغة، الا ما تمثله به نفوس البهم ان كان هناك ما يسمح لنا بتسميته نفساً بالمعنى الصحيح.
واذا انعدمت صفات الخير في النفس من الوجود الانساني، فقد انعدم المعنى الانساني في الفرد او في المجموع.
ما من شك في ان اهمال الواجبات النفسية، تعرض المرء الى الانحطاط والضعف والتأخر، ولكل ما يستتبع الكسل من الفشل والخذلان.
لقد قال احد الحكماء:
«ينزاح» همي وكمدي عندما «ينزاح» الواجب بعد تمام الأداء!
اكثر المهمومين، مهمومون لانهم لم يتموا واجبهم!»
هذا قول الحكيم. وعليه فنداء الواجب لا يعتريه فتور. فهو مستديم الجرس متكرر الصدى في كل عمل من اعمال الفرد والجماعة.
والمصلحة العامة هي في احياء هذا الهم الشاغل الذي يحث كل فرد على أداء الواجب.
ولكن، ما اكثر الاسماء التي تحمل في مدلولها معاني متعاكسة متضادة. وهنا مشكلة العالم الكبرى. فكم من معارك تطاحنت فيها القوى في سبيل واجب وهمي، يتراءى للمتقاتلين في غير حقيقته. وكم من المظالم اقترف باسم الواجب الوطني الذي يلتبس على القائمين به معرفته.
وقد رأينا مزاعم الواجب الانساني في القرن العشرين، دعا باقتطاع بلاد من اصحابها، وتشريدهم وسلبهم اشياءهم،
وتركهم يجوبون البلاد حفاة عراة جياعا. يقتحمهم المرض، ويهاجمهم البؤس والشقاء.
وذلك لان المصلحة في السياسة العالمية زينت الواجب الانساني، او تسترّت به في ايواء من شردهم النازيون وفي مساعدتهم واقامة وطن قومي لهم على حساب شعب بريء نزيه اعزل. ورأينا في صفحات التاريخ، أن الواجب الانساني حرّم الظلم الفردي فسنّت القوانين لقمعه. ولكن قصة الذئب والحمل، تتكرر ما بين عشية وضحاها، بشكل اوسع واشمل.
فالواجب الانساني لم يقف في وجه هذا الظلم الذي اتخذ صوراً مربعة مخيفة، في استعمار الشعوب واسترقاق الامم.
وكم من المصالح الذاتية، التي تلوّن المظالم بالالوان التي تريدها، فتعطيها من الاسماء ستائر بيضاء مذهبة، هيهات، ان تخفي سواد ظلها وحمرة دماء ضحاياها!
واننا لنتساءل، ما دليل الفرد الى واجبه، وما دليل الجماعة الى واجباتها في الحياة؟
ان الوعي الانساني الصحيح، إن اكتمل في الفرد فهو الدليل الى الواجب
