المقدس. وروضة الخير في القلب، إن ارتوت وازدهرت، فهي في عبيرها الحافز الى نشوة الظفر بالقيام بالحق والواجب. والضمير في اعماق النفس، ان تيقظ وشملته الحياة بروحها النيرة، فهو القائد الى كل الواجبات المطلوبة.
وحينذاك، لن يخطئ الانسان السبيل. وحينذاك، تقبل الجماعات الانسانية اليها منجذبة بسحرها، منتشية بلذة القيام بها كما تنجذب الاشياء بالمغناطيس دون مقاومة او مكابرة او عناد.
لا موجب حينئذ للمغالطة، فالاضواء مضاءة، تضيء المعاني بالوانها الخاصة، ومزاياها الصحيحة، وتظهرها بحقائقها الحقيقية الثابتة.
لقد ولي زيد بن ثابت القضاء في ايام عمر رضي الله عنه، فدخل عليه مرة أبيّ بن كعب وعمر بن الخطاب خليفة المسلمين ليحكم بينهما في قضية، فلما رأى القاضي أمير المؤمنين عمر، قام من فوره وتخلى له عن احسن مكان في الحجرة. فغضب عمر، وقال: «هذا اول جور في حكمك والواجب ان اجلس بجانب خصمي!» ولما انتهى زيد من نظر القضية. قال له عمر: «يا زيد... لا يكون القاضي عادلا إلا اذا تساوى عنده الرئيس والمرؤوس!».
أفليس في صحوة عمر للواجب، ما رفع الظلم واقام اسس الحق والعدل؟
ان في صحوة المرء للواجب، صحوة الحق في خفايا النفس، وغلبة الصلاح فيها، ليكون الانسان عفيفاً، غالباً لنزوات نفسه، مالكاً لزمام امره.
فعمر لم يغتر بفخفخة المظهر عن نداء الواجب، ولم يله ملق الساعة ولينها عن رضى الضمير، ولم يرض بتحيّز القاضي له وهو الخليفة الحاكم برقاب العباد.
فلو ان كل عظيم وحقير أصغى لهذا الصوت الذي هو من عند الله، لما وجد الظلم والكراهية بين الناس.
وفي عام ١٨٧٠ حدث في اميركا الشمالية، ان اكفهر الجو فجأة وبدت في السماء ألسنة حمراء كاللهب، وصحب ذلك هبوب ريح عاصفة، فخيل للناس أن يوم القيامة قد حل. وكان مجلس النواب الاميركي في ذلك الحين منعقداً. فغادر اكثر الاعضاء اماكنهم، وطالب الباقون بفض الجلسة. فقال لهم الرئيس: «ان القيامة قد تكون الساعة، وقد لا تكون، فاذا لم تكن، فلا معنى لفض الجلسة، واذا كانت فاني اؤثر ان نلقى خالقنا ونحن نؤدي واجبنا».
فلو ان كل فرد ينتظر لقاء ربه وهو يؤدي واجبه، لما تبلبل الخلق في معاملاتهم. ان القيام بالواجب يكون بقدر الطاقة الفردية، وكلما ارتقى الفرد
عظمت مسؤوليته تجاه الواجبات، واتسع امامه افقها وعظم خطرها.
لذلك فالعظيم يتحمل من الواجبات ما ينوء بحمله ضعاف النفوس، ولا يقدر الافراد العاديون في السواد الاعظم من الناس ان يتكافأوا بقواهم مع الخطير من الواجب.
ولست اريد ان انتهي قبل ان اذكّر المرأة بان من اعظم الواجبات شأناً في الحياة، واجب الأم نحو اطفالها. فهو واجب ذاتي وطني انساني، وهو واجب مقدس خصها الله به. وعليها ان تصغي لندائه في كل لحظة من لحظاتها. لان أثره يتعدى الحدود الشخصية ويتجاوز الاسرة الى العالم الواسع، الذي يخوض الطفل معركته رجلاً، وبتهيؤ لمعالجة اموره عاجلاً او آجلاً.

