لمح بين طيات ثوبها، فوق صدرها، وسمه ورسمها في ثياب الأكليل. ووجد بالقرب منها ورقة مطروحة على العشب كأنها حاولت أن تمزقها، ولكن حال بينها وبين ذلك الموت. ففتح تلك الورقة بيد مرتجفة، وهذا ما قرأ فيها:

في مثل هذا اليوم ربطنا الخوري بولس بوثائق الزيجة. واليوم - بعد مضي إحدى عشر سنة - يفصلنا الموت. فهل نلتقي بعد. إذا صح ما يقولونه عن الحياة الآتية؟ فسوف تجدني بانتظارك على عتبة العالم فاتحة ذراعي لاستقبالك ومهيئة شفتي لقبلك. وسوف تسمع سؤالي مرة أخرى: كيف حالك يا قرقور؟ آه يا عزيز! لو كنت الآن بجانبي! الآن، وأنا واقفة بحضرة الموت، أحب أن أشكر لك كل قبلة قبلتني إياها بحب وشوق. أود أن أشكر لك كل كلمة وكل حركة وكل لحظة حبيت بها الحياة إليّ. مرت بي دقائق جعلتني أنسى أن في العالم أوجاعاً وأحزاناً. وتلك الدقائق كانت من هدايا حبك، فأشكرك عليها يا عزيز! حلمت أحلاماً جعلتني أظن نفسي في السماء لا على الأرض. وتلك الأحلام كانت من نسمات حبك، فأشكرك عليها يا عزيز! ذقت طعم سعادة الفردوس. وتلك السعادة كانت من ثمرات حبك فأشكرك عليها يا عزيز! أما أنا فماذا قدمت لك عوضاً؟ قدمت لك جسماً نقياً، جميلاً، طاهراً، وبالإجمال كرّست لك ذاتي. وما ذنبي إذا لم توازِ تقدمتي عطاياك؟ أنت لم ترضَ بي وحدي، لم تكتف بجميلة «مجردة»، وأنا قبلت بك وحدك دون بقية العالم. أنت كنت لي الكل بالكل. سعادتي تمت بك وبحبك. ولكن سعادتك لم تتم بحبي. أنت لم تظهر لي ذاتك في أول الأمر، ولكن الأيام كشفت لي ما كان مستوراً عن عيني. كنت أظنك سعيداً
بجي كما كنت سعيدة إلى النهاية بحبك فقط. وما أمرّ تلك الساعة التي أدركت فيها خطأي! أتذكر حديثنا عن «العريس»؟ أتذكر لما سألتك إذا كانت سعادتك غير تامة بلا أولاد؟ أتذكر جوابك لي؟ حاولت مع ذلك أن أخدع نفسي. حاولت أن أقنع ذاتي أن محبتك للأولاد كانت كمحبة بقية الرجال، وأن حبك إياي سيبقى كما كان سواء رزقنا الله «عريساً» أم لم يرزقنا. وما أمرّ الحقيقة التي كشفتها لي حوادث السنوات التي تلت ذلك!
لما تأكدت أن لا رجاء مني لألد لك أولاداً نبذتني من حياتك كالنواة. ولم تكتف بذلك، بل أبغضتني وكرهتني كأنني سمّ أفعى. بدأت بالتدخين ثم
بالسكر ثم يشتمي وضربي. أتذكر لما ضربتني لأني رفضت أن أذهب إلى الكنيسة لابسة كل حلي؟ آه! ما ألذ تلك الضربات من يدك! قل لي بحقك، أما كانت تدخل الشفقة قلبك لما كنت تنظر إليّ أسير في البيت كشبح أصم أخرس، أراقب كيف تهبط بناية سعادتي أمام عيني، وأرى نفسي غريبة كيفما توجهت؟ أنسيت أني لم أزل من لحم ودم مثلك، وأني لم أفقد رقة شعور النساء؟ هل قسيت إلى حد أن لم يبق في قلبك مكان للرقة على الإطلاق؟ آه، كم مرة وددت في تلك الدقائق لو نظرت إلى أعماق نفسي كما كنت تنظر إلى خفاياها سابقاً بعينيك الحارقتين، ورأيت ما كان يجول فيها!

