فتنهال على الخادمة ، بكل ما فيها من عزم ، تؤنبها وتوبخها : « كم مرة نبهتك ؟ ماذا عملت في غيابي ؟ كم مرة يجب ان اعلمك ؟ » وفي اغلب الاحيان ، نعمى عن الواجبات الكثيرة المتقنة التي اتّمتها الخادمة في غيابنا . فالمسكينة كانت تحسب ، ساعة دق الجرس ، واسرعت لتفتح الباب ، بانها ستسمع من سيدتها اجمل عبارات الثناء والتقدير . لم لا ، وقد عملت بجد طيلة الساعتين ، رتبت خزانة المطبخ ، وغيرت اوراقها ، وكنست ومسحت جميع الغرف والحمام ، ولم يسه عنها ، الا مسح غبار المكتبة الصغيرة ، فهل تستحق من اجل ذلك وحده كل هذه الثورة ، دون كلمة لطيفة تطيب خاطرها ؟ ها هي تنكمش بذلة منكسرة ، وتتوارى في المطبخ ، وقد فقدت كل لذة سابقة لمتابعة العمل ولهذا السبب ، لا تتأخر لحظة عن استبدالنا بسوانا من تسمعها مثل هذه العبارات : « عافاك ياسلمى ، انا مسرورة منك اليوم ، فقد عملت اشياء كثيرة حلوة ، ولكن هل تعلمين ماذا نسيت ؟ انظري ! الغبار ! هذا دائماً تتركينه يشوّه المنظر العام ! عجلي يا شاطرة ، اين مسحتك ؟ »
فتسرع سلمى للحال الى مسح الغبار ، وهي اشد ما تكون اسفاً لنسيانها اياه ، ونشاطاً وغبطة لمديحنا وتقديرنا اعمالها ... وهي فوق هذا تتعلق بنا ، ولا ترضى بالتخلي عن خدمتنا ... وهناك الفرق الشاسع بين جو البيت الذي تخلقه هذه المعاملة وتلك . وماذا ترانا نخسر لو جاءت ملاحظاتنا دائماً مقرونة بالتقدير الذي لا يكلف شيئاً ؟
كنت في زيارة صديقة لي ، عندما عاد طفلها من المدرسة ومعه علاماته الشهرية . وصاح من الباب بلهفة : « ماما ماما ! انظري ، تسعين في الحساب ! » فتناولت الأم الورقة من يده ، وقرأتها كلها ثم قالت : « صحيح انك متحسن في
الحساب ، ولكن انظر الى الانكليزي ، ستون فقط ؟ والخط ؟ .. لا اعتقد انك في حياتك ستقدر ان تكتب مثل رفيقك سامي » ...
وبتلاشى بريق البهجة ، الذي كان لبرهة خلت يشع من عيني الصبي ، ويدخل المسكين غرفته بخطى متثاقلة ، وقد تداعت جدران نفسه ، وفقد كل رغبة واجتهاد . فما كان ضرّها ، تلك الأم ، لو قابلت ابنها بكلام كهذا : « صحيح ان في الامكان تحسنك في الانكليزي ، واعتناؤك باتقان خطك ، ولكن انظر ، تسعون في الحساب ؟ نجاح باهر ! وانا فخورة بك من اجل هذا ، وواثقة بانك في الشهر القادم ستعمل احسن . تعال وخذ قبلة كبيرة ! .. »
باية روح ، وباي نشاط كانت هذا
الصغير يدخل الغرفة عندئذ ، ويباشر دروسه من جديد ؟ وماذا كانت خسرت هذه الأم ، لو بدّلت ملاحظتها الأولى بهذه ؟
هذه ، مشاهد بسيطة ، ومن صميم حياتنا ، اوردتها لأبين ، بان النقد اللاذع ، في معظم الحالات ، ادعى الى التخريب منه الى التعمير ، وهو لا يأتي بالفائدة المطلوبة ، ولا يصلح الحال ، ما لم يكن مقروناً بعبارات التقدير اللطيفة .
نحن في هذا البلد - رجالاً ونساء - ابعد ما نكون عن ادراك هذه الحقيقة ، على بساطتها . ولو كان لنا ان ندركها ، لوفرنا عن انفسنا الكثير من العناء والاضطراب ، ولشهدنا لاعمالنا تقدماً ونجاحاً ، لا يكلفنا شيئاً ، غير بضع كلمات لطيفة تعبّر عن تقدير صادق ...

