
... أوروبا تتخبط في حمأة العصور المظلمة، وفرنسا، تتلف سكانها المجاعة، وتجدب أرضها، في الغزوات والغارات، وولي العهد، آلة بين أيدي الإقطاعية، والعدو الإنكليزي يحيط بباريس، ويحاصر أورليان آخر معقل للملكية. ولم يكن «الدوفان» شارل السابع سوى ابن أب معتوه وأم ماكرة - الملكة إيزابو -. أمير يرتاب في أصله، وتنتابه الوساوس
وتتنازعه مآرب الأسياد والأساقفة والزعماء.
والشعب؟.. هو الأكثرية التي تكدح من أجل القوت ومن أجل الحياة. كان يخضع صامتاً، وفي خضوعه وحمته صلاة وابتهال.
في قرية دومرمي من أعمال اللورين، وذات يوم من أيام الصيف الوهاجة، وبين فتاة في الثالثة عشرة من العمر تنشد العزلة في حديقة البيت بعد أن أنجزت واجباتها المنزلية، بوقت أمام عينيها غمامة لآلاءة، وسمعت أصواتاً تناديها «جان الصغيرة ابنة الله». ولا غرو ففي ساعة نشوتها الفائقة أدركت جان أن عبء الأمة ملقى على كنفها إذ اختارها الله أن ترفع الحصار عن أورليان وتدعو ولي العهد إلى تتويجه في ريمس.
لم تأت إرشادات القديسين فجأة ولم تقحم جان المعارك فوراً. بل ظلت الرؤى «والأصوات» تلازمها مدة أربع سنين ولم يزدها استفحال الأمر إلا تكتماً حتى إذا بلغت السابعة عشرة استفزها الإلحاح أن تهجر عائلتها وتتزيا بزي الرجال وتجز شعرها وتسير لنجدة المدينة المحاصرة. أي واجب أنبل من هذا الواجب؟ وماذا إذا قامت بعينه امرأة؟ وجان دارك، لم يكن رائدها المغامرة وسفك الدماء، ولم تشهر الحرب على
القلاع والحصون إلا بعد أن شهرت الحرب على الرذيلة والكفر والمجون.
تحت تأثير هذه العوامل النفسية المتقدة سارت جان دارك مع ما هي عليه من أمية وسذاجة تطلب جيشاً وملكاً لشعبها وبلادها. آمنت بقدسية رسالة هزأ منها أعلم رجال عصرها وأخلصهم. المنطق ينكر النجاح! والإيمان يتطلع إلى الفلاح! ولم يمض وقت حتى تلاشى المنطق البارد أمام حرارة الإيمان.
وصلت العذراء إلى شينون ومثلت بين يدي الدوفان وأسرّت إليه بشرعية نسبته إلى أبيه وطلبت جيشاً لفك الحصار. كيف عرفت سر الدوفان الذي لم يجسر هو أن يناجي نفسه به؟ بل كيف عرفت أن أورليان تحت الحصار وهي آتية من مسافة تكاد تعادل بطولها نصف فرنسا؟ هذا ونظرات سيدات البلاط شاخصة إلى استدارة ذراعيها وردفيها، إلى العنق الطلق الرزين، إلى ثدييها البارزين، وعجبٍ لماذا اختيرت رسولةَ الله وليها هذه الميزات. كان البلاط مشهداً لشهوات الأشراف وسرعان ما أدركوا أن في دخول هذه العذراء عليهم خطراً على جنتهم المصطنعة كما وأنها خطر على ملذات الجيش المحيط بها.
وكان الجيش كناية عن جنود غلاظ الطباع، صعاب المراس، أو شرذمات

