ما هي أول مقالة كتبتها، وفي أي تاريخ كان ذلك؟
- إن أول رسالة كتبتها، كانت يوم سفر المرحوم سليمان بستاني نائب بيروت، بعد نشر الدستور إلى الندوة العثمانية. ذيّلته يومئذ بإمضاء مستعار وأرسلته على بركات الله. ولكم أسرعت دقات قلبي، ولكم احمرّ وجهي عندما جاء أخي في مساء اليوم التالي ووضع الجرائد في مكانها فتناولت جريدة «الأحوال» وأخذتها إلى غرفتي وأخذت أقرأ وأنا كاد لا أصدق عيني!
ماذا كان موضوع المقال وكيف كان صداه في الناس؟
- كان العنوان: «صوت ضعيف إلى النائب الخطير.» في ذلك اليوم خاطبت النائب العام، بكثير من الحياء والدعة، وهذا اللطف الأنثوي الذي يفتح أمامنا الأبواب المغلقة... فطلبت منه، بما يشبه الاستجداء والتوسل، وهو ذاهب إلى حيث نسنّ الدساتير والقوانين، أن يعمل على إقرار التعليم الإجباري للصبيان والبنات.
أما صداه، فإن صاحب الجريدة مهد له بفذلكة لطيفة أذكر منها أنه خصني بالكثير من التشجيع وبشيء من المديح خطر لي يومئذ أني لا أستحقه!
أما وقد وصلت إلى بحث إبن فؤيل يمكن أن تذكري لنا شيئاً عن العقبات التي اعترضت طريقك أول جهادك الأدبي؟
- هذا الجهاد لما بُنيته بعد. أما سمعت أبيات الشاعر الحنون الياس فياض. في
رثاء طانيوس عبده، ذلك الأديب الذي كتب سبعانة كتاب ومات معدماً. قال:
لا تبكِّه فاليوم بدء حياته
إن الأديب حياته بمهانه
يقولون إن الجهاد في سبيل الأدب يشبه الحب، أقول إنه يشبه المحبة، فالحب يموت والمحبة خالدة. أما العقبات فأقلها هذا التستر تحت الاسم المستعار. فابن الأدب الحق الحذر من الأدب الحر الطليق. وأقلها اتهام الناس أن هناك يد رجل تكتب لنا! وهناك هزء أصحاب المدرسة القديمة، أولئك الذين ينعون علينا ثقافتنا الغربية»، وأي عار في أن أضيف ثروة إلى ثروتي العربية؟
مَن مِن يقرأك - أول ما يقرأك - باطلاع، ما كانت تعطيه مدارس ما قبل الحرب الكونية الأولى. فهل دخلت إحدى جامعتَي بيروت؟
- عندما طلبت سنة ١٩١٤، الدخول إلى فرع الطب في الجامعة الأميركية. قيل لي إنه لا بد من تعدد الطلبات حتى تقتنع لجنة الأمناء في أميركا بضرورة فتح الباب للنساء. ولما فتح الباب كان علي أن أسعى لأربح أجرة السقف والنور والماء وسائر تكاليف الحياة لي ولابنتي.
لم أذهب إلى الجامعة، شأني في ذلك شأن جوليا طعمة، وماري عجمي، وماري يني، وعنبرة سلام. ولكن أساتذة الجامعة كلهم جاؤوا إليّ وإلى رفيقاتي في كتب ومجلات علماء لبنان الأفذاذ، جاؤوا إلينا في المقتطف والهلال والضياء والطبيب..
كان أساتذتي العظام فارس نمر ويعقوب صروف وجرجي زيدان وإبراهيم اليازجي والدكاترة اسكندر بارودي وصحبه.
وعلى ذكر الأدباء ما هي أعز ذكرى على قلبك في حياتك الأدبية؟
- لم أعرف من الأدباء الذين ذكرت معرفة شخصية إلا المرحوم جرجي زيدان. إن أقدم أصدقائي هو جورج باز، صديق كل الأديبات والمعلمات ومساعد كل عمل اجتماعي في هذا البلد.
أما الذكريات العزيزة على قلبي فكثيرة، ولأصدقائي من أدباء وأديبات فضل عليّ عظيم. ومن أصدقائي شيخي وأستاذي إبراهيم المنذر. وابن لبنان الأعز، ذلك الريحاني الأمين. إني لن أنسى وجهه - ذلك الوجه الأسمر والرأس الوحيد التركيب، والشعر السليم يتأوج فيه سلّم الألوان الفضية والرمادية. وتينك العينين البعيدتين العميقتين، حتى ينكشف للناظر إليها وحي اللانهاية..


