عادت إليه قواه، ثم ركبا البحر في سفينة ليتزوجا ..
حتى « هونر » هذا الكريه المرائي، الذي كان صاحب المخزن الوحيد في الجزيرة، والذي كان يشير إليهما باحتقار قائلاً « ذلك الأعمى الذي لا يصلح لشيء وامرأته » .
حتى « هونر » هذا لم يكونا ليهتابه .. وظلا يعيشان عيشتهما السعيدة تحت النخلة ذات الجرس ...
وما أن مرت كل هذه الأشياء في رأسه، حتى وجّه قاربه نحو المنزل ... وكان يسمع إيلا تناديه من الشاطئ :
« أسرع يا رتشرد، فإن عندي مفاجأة عجيبة » ...
وسمع خشيش مشيها في الماء الضحل وهي تجتازه لملاقته، وقبل أن يستقر القارب طوقته بذراعيها حتى كاد أن يقع في الماء ... وهي تقول : إنها مفاجأة سارة يا رتشرد ...
فقال لها وهو يضحك : « شيء طيب للأكل يا إيلا ؟ ! »
فأخذت خده تداعبه، وقرصته قرصة خفيفة وقالت : « آه، أنك كغيرك من الرجال، قلبك في معدتك » .
كانت « إيلا » مندفعة، فلم تهتم لشيء حتى ولا بما اصطاده من السمك، وأخذته من يده، وراحا يجريان معاً إلى المنزل السعيد .
ورقصت إيلا من الفرح وهي تقول « انظر يا رتشرد ! المفاجأة العجيبة . ! »
فقطب دك جبينه، لأنه لم يكن في وسعه أن ينظر كما طلبت إليه امرأته، إنها منفعلة ...
وراح يتحسس الشيء الذي وضعته في يده ... شيء ناعم كالمخمل ...
وصاحت إيلا ... « إنها لؤلؤة نادرة يا رتشرد ... سوداء جميلة ... أجمل ما رأته عيناي » . وراحت تخبره بانفعال،
كيف أنها وجدتها في إحدى الأصداف ... هذه لؤلؤة يا رتشرد، لا يراها الإنسان إلا في الحلم ...
وظلت تثرثر بمحاسن اللؤلؤة، في حين كانت تروح وتجيء في المنزل، لتعد لها طعاماً من السمك والفاكهة ...
بعد الطعام، جاءته بغليونه وأشعلته، فجلس جلسة هانئة، متمدداً على حصير من الحشائش، ورأسه في حضنها، وشعرها الأسود يتدلى على جبينه ...
نسي دك كل شيء آنئذ وأحس بسعادة تغمر كيانه، نسي كل شيء حتى اللؤلؤة الثمينة، التي كانت في يده ... ولم يبق في رأسه إلا « إيلا » هذه اللؤلؤة الغالية التي لا تقدر بمال، وأحس بمرارة عنيفة وللمرة الأولى، أنه لا يرى وجه
إيلا الجميل ... وفيما كان « دك » يعيش في أحلامه العذبة، رأسه في حضن زوجته الحبيبة، كانت « إيلا » تأخذ من تحت الحصير جريدة، وتقول له : رتشرد، لم أقرأ لك هذا قبل اليوم، لأنه لم يكن فيه نفع، أما الآن فالأمر يختلف .. كنا فقراء ونحن الآن أغنياء ...
فقاطعها : ماذا تعنين يا إيلا ؟
فقالت ... تقول هذه الصحيفة أن الطبيب « ستايناير » الاختصاصي الشهير بالعيون، تمكن من إعادة النظر إلى كثير من العميان ... الذين لم يولدوا عمياناً، ولكنهم أصيبوا مثلك على أثر حادثة حدثت متأخرة .. وهو يقيم في هذا الشتاء في « بايت » .
( البقية على الصفحة ٤٥ )

