
كنا ثلاثاً من الفتيات في مدرسة واحدة . وكنا في ربيع العمر قد تفتحت نفوسنا على عوالم من الخيال الساحر ترسمها لنا الكتب الغربية والشرقية ، الأصيلة منها والمترجمة ، التي تمثل أفضل ما أنتجته قرائح الكتاب القدماء والمعاصرين . وكنا نعب من مناهل أدب الغرب وعلومه كما تعب الزهرة العطشى من ندى الصباح . ثم نجلس في أوقات الفراغ نتذاكر دروسنا ومطالعاتنا فنستعرض العصور الماضية ونتبادل الآراء والانطباعات ..
- هل قرأت « الرعاع » لغلزوردي ؟ يجب أن تقرأيه .
- ما رأيك في « هكذا تكلم زردشت » ؟
- وكتاب نهرو في ترجمة حياته ؟ إنه ينضح بالإخلاص . وللمرة الأولى أجد شرقياً يتكلم بمثل هذه الصراحة .
وبين حين وآخر كنا نتخذ لنا بطلاً نسميه بطل الشهر . فهو أحياناً « سيرانو دي برجراك » وأحياناً « شلي » . وحيناً آخر « غاندي » أو « لورنس » . فنمعن في المطالعة عنه ونغرق في درسه وتحليله وفي قلوبنا عجب واكتفاء كأنما العبقري الذي نتغنى به أصبح جزءاً من نفوسنا .
ورغم وجودنا في مدرسة أجنبية كنا ننظر إلى الأجانب الذين نختلط بهم نظرة المجانبة والحذر فهم في رأينا مستعمرون ، همهم نشر نفوذ الغرب في الأقطار المتأخرة وتجريدها من شخصيتها . وننظر نظرة ازدراء إلى رفيقات لنا يصانعن الأجانب تذللاً أو رغبة في اكتساب بعض الفوائد . ولكنها بين أولئك المدرّسات الأجنبيات واحدة كانت تلفت نظرنا لا بشكلها - وكان جذاباً - بل بحريتها وحركتها وغرابة أطوارها . كانت تعلم الرياضة البدنية ولها في الرقص فنون تعبيرية مدهشة تتركنا أمامها حيارى مشدوهات بملاحظة عضلاتها الطيعة وابتكاراتها العجيبة ، وكانت تقوم برحلات طويلة على درّاجتها فتسابق في سيرها الرياح وتتسلق المرتفعات ثم تعود وقد لوّحت الشمس وجهها الأكلف وافترّ ثغرها عن ابتسامة عريضة كثيرة البراءة ، وتقول ضاحكة :
« لا أدري من سيكون أطول عمراً أنا أم ليلى » وهو اسم درّاجتها . فقد أعطتها اسماً عربياً قائلة : إنها تستحق هذا الاسم لأنها أصيلة كالحصان العربي بل أشد منه متانة .
كان اسمها سوسن أما نحن فلقبناها « سو » وبغريزتنا النسائية كنا نتساءل : كم يكون عمرها ؟ ولا تجرؤ واحدة منا على مصارحتها بالسؤال ثم نكتفي بقول إحدانا : إنها امرأة لا عمر لها .
ومع هذا كانت تبلغ الجرأة ببعض الفتيات أن يسألنها : أليس في حياتك رجل ؟ فتجيبنا بضحكتها العادية وتقول : بلى ، كان ذلك من عهد بعيد . وقد اختصمنا على بعض الآراء وافترقنا .
- وبعدئذ ؟
- لا شيء .
- لا شيء ؟ هذا لا يمكن ؟
- لا يمكن ؟ لماذا ؟ ثم تردف معاتبة : يلوح لي أن موضوع الرجل يحتل الأهمية الأولى في حياة الفتيات الصغيرات وأن هن حاولن إخفاء ذلك . لكني لا أعجب من هذا . إنها حياة كثيرة الفراغ ليس لها ما يملأها إلا الميول الفطرية .

