... « هذا الوجه ليس بغريب عني ! » .
« اذكر جيداً اني تعرفت الى هذا الشخص ، لكن اسمه لا يحضرني الان ... حقاً اني ضعيفة الذاكرة ! »
هذه عبارات كثيراً ما تتردد على افواهنا ، او افواه الناس على مسمع منا ، فنحسب ان ابناء هذا العصر ، لاسباب ندركها حيناً ونجهلها احياناً ، باتوا لا يتقنون من انفسهم ، تحكم ذاكرتهم في معظم الامور العادية . ويعترفون بصراحة انهم « ضعيفوا الذاكرة » يستعينون بذاكرة صغيرة يحملونها ايضاً حلوا ، لتقوم مقام ذاكرتهم ، يسجلون على صفحاتها بعض الامور التي يهمهم تذكرها ...
يؤكد لنا العلم ، ان هذا الزعم ، رغم ما يقربه الى عقول الناس من ادلة منطقية ، لا يتعدى الوهم . وانه ليس هنالك ما يسمونه بالذاكرة القوية والذاكرة الضعيفة ، الا بنسبة الناس الاذكياء من القليلي الذكاء . فنحن نعي عن تذكر اسماء الناس ، لاننا ، ساعة تعارفنا بهم لم نوجه كل انتباهنا « لاسمائهم » .. هذا لا يعني عدم اهتمامنا بهم ، انما يشير الى ان اذهاننا ، ساعة التعارف ، كانت مشغولة بامر آخر ، هو بالنسبة اليها اكثر اهمية من الاسم . فبعض الناس يؤخذون بالمظاهر الخارجية ، وبعضهم ينتبهون الى سياق الحديث ، او نغمة الصوت . ولذا يذكر كل ما يحلو له ، ويغفل عن تذكر الاشياء الباقية ، ولكنه يكون قد تذكر اشياء اخرى تتعلق بهذا الشخص الذي تعرف اليه ..
وان الشخص الذي يذكر الاسماء ، انما يوجه كل انتباهه اليها ، وقد لا تكون
له لذة بدراسة معاني الوجه ، او رنة الصوت ، او سياق الحديث ! فلا يلتفت اليها التفاتة واحدة ولهذا ، تتبخر من ذاكرته بسرعة كلها ما مرت على سمعه او بصره ...
تتباهى الأم بذاكرة طفلتها التي تذكرت حديقة زارتها مرة واحدة منذ سنتين ، ولم تكن حينذاك قد تجاوزت الاربع سنوات ... وبعد المذاكرة مع هذه الطفلة ، تبين انها لا تذكر غير قدح من البوظة اللذيذة تمتعت بها في تلك الحديقة ، فامتلأ ذهنها بتذكر ما لذ لها طعمه ، وتمت تكراره ...
نقرأ كتباً ، ونشاهد افلاماً سينمائية بين حين وحين ، فحيناً ، لا نخرج من السينما ، او ننتهي من قراءة كتاب ، الا وتكون الصور والمشاهد قد توارت من ذاكرتنا الى الابد ، واحياناً نذكر مشاهد دقيقة مفصلة ، حتى بعد مرور عدد من السنين . وتحليل ذلك اننا اننا نذكر المشاهد التي تؤثر فينا ، والتي تهمنا الى حد ما ، وتتجاهل المشاهد التي لا تجمعنا واياها صلة روحية كالتي لا تذل لنا .
يدلنا هذا ، على ان الناس على اختلاف طبقاتهم واعمارهم ، انما يميلون الى تذكر ما يهمهم او يلذ لهم ، وعلى ضوء هذه الحقيقة يستطيع كل انسان ان يعالج ذاكرته الضعيفة بالمران الدائم كي يمحو كل اثر لعناكب النسيان التي تعشعش في رأسه ، وكي تستقيم له بذلك ذاكرة قوية ، هي اقصى ما يطمح اليه .
ومتى تملكتنا رغبة صادقة لتذكر اسماء الناس ، فما علينا الا ان نوجه كل اهتمامنا لذلك ، في ساعة التعارف ، ونطرد
من رؤوسنا كل فكرة طفيلية ثانية ، قد تغلق علينا ابواب الذاكرة ...
ظهر منذ ايام ، في الجرائد المحلية ، خبر عالمي مفاده ان عدداً كبيراً من الهيئات النسائية رفعت احتجاجاً على دوروتي كينون ، عضو اميركا في لجنة شؤون المرأة ، ادعاء منهن بان القاضية كينون لا تعمل باخلاص من اجل المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة ، وهي من اجل هذا لا تستحق هذه العضوية .
ان هذا الخبر تذكره كل سيدة عرفت القاضية كينون او سمعتها تتكلم اثناء

