الالم ...
مأساة البشرية الكبرى ، منذ كانت البشرية ...
على مائدة الالم المقدسة جلس الحب والفن ، الحكمة والعلم ، فاطلعت للناس
مصابيح ربانية ...
الارض تضج بالعربدات ، وفي زاوية من الارض ، زاوية هي الارض كلها ، على
ضيقها ، كان « شوبرت » ينكب على نفسه تعصره الآلام عصراً ، وتشده الى الخشبة
المسمرة في لحمه ، وهو يتلوى ويهتف من دمه :
« لقد خلق الألم اغاني ، ولكنّ العالم أصمّ ابكم حيوان ، لا يدرك ألم الفنان » .
... وفي حين كانت المرأة السمراء « جورج ساند » تتلوى على اذرع العشاق في
شواطئ « فنيس » ، كان « موسيه » الشاعر الاشقر الجميل يطبخ قلبه طعاماً للالم ويصرخ
في لياليه الموجعة الحمراء :
« لقد تألمت كثيراً وما ازال بحاجة الى الالم . »
« لقد احببت وما ازال بحاجة الى الحب . »
ويعود ، وحده الى أمه المسكينة ، مكسور الجناح ، منتف الريش ، مملّع القلب
ليبصق حياته ودمه ..
وكانت « الليالي » .
ليالي الحمّى والوجع والجنون والهذيان ... ليالي العبقريات الخالدة ، حطّم الشاعر
الفتى اعصابه ، وسكب فتوته وشبابه عند اقدام الليل ، في كأس الالم ، ... وتنتف
حياته على مهل ، مثلما ينتف الثوب الحريري .. وكان يصرخ ..
« انا أحب ... وبقبلة اعطي نبوغي . »
« أنا احب ، ولتنسكب على خدي الشاحب ، جداول من الدموع ، لا تجف .. »
... ورومه .. رومه الفاجرة ، تقهقه قهقهة الوحش وتلغ في قاذورات شهواتها المحمومة ،
تتصاعد انفاسها المحترقة الى السماء ، كان رجل من هذه الارض ، ارضنا نحن ، يسمّرُ
على خشبة الالم .
يجعّد الوجع جبهته النيرة وتسيل الدماء من جراحه وتنصب في عروق الانسانية
المشلولة ، فتجري في اعصابها رعشة قدسية ، تحمل كل ما في الارض والسماء من بركات ..
وتطلع على الدنيا عاصفٌ من دم تجرف في مسيرها قاذورات الحياة الموبوءة وكان
الانجيل فحمله الناس ملطخاً بدم الرجل الكبير ..
وانتصر اكليل الشوك ، على تاج رومه !
وحطمت القصبة صولجان قيصر ..
وانتصب الالم بفخر وكبرياء على جبل الجلجلة ، يهزأ بقهقهات هيرودوس وقيافا ...
وهكذا قامت الانبياء في الارض .
