سن المراهقة ... تلك الفترة من العمر التي تتأرجح بين الطفولة والشباب. فلا الولد طفل قاصر متعلق باذيال امه، ولا هو شاب ناضج تام البلوغ.
فالفتى والفتاة في هذه السن، هما مجموعة متناقضات. لان المراهق ذو شعور متدفق وامان كبيرة. انه يطمح في ان يصبح شاباً مستقلاً ولكنه في شك من مدى امكانياته للوصول الى ما يريد،
فيعبّر عن هذا النزاع القائم بينه وبين نفسه، بان يتبنّى جميع ما يعرفه من مظاهر الشباب، لينفي فكرة كونه طفلاً اتكالياً، وهكذا يبدو للناس مغتراً بنفسه، شديد الاعتناء بهندامه.
وهناك نوع آخر من المراهقين، يميلون الى الانفراد والانطواء على انفسهم، يرافقهم في وحدتهم عبوس دائم وشيء من يأس مبهم، كثيراً ما يحملهم الى
الانتحار. واهلهم غافلون عن هذا النزاع السلبي الذي رماهم في العزلة.
ان الولد الذي يكون نموه طفرة واحدة، كمن يطول جسمه اربعة انشات في سنة واحدة مثلاً، لا بد له من ان يفقد شيئاً من نشاطه وحدة ذكائه. وعلى الوالدين ان يكونوا اكثر تسامحاً وفهماً للوضع فلا يوسعونه ملامة وتأنيباً، كلما بدرت منه بادرة تدعو الى الملامة والتأنيب، كتأخره في دروسه واهماله واجباته وعدم شعوره بالمسؤولية. فعندما يعي الآباء ويتنبهون الى طبيعة هذا الطور في اولادهم يكونون قد ربحوا نصف المعركة ووفروا على انفسهم كثيراً من القلق والاضطراب الفكري والخوف على مستقبل اولادهم من ان يبقى مهدداً بهذه النزوات الجامحة التي قد تؤدي بهم الى الضياع والفشل.
في صلوات الآباء والامهات الى ربهم، كثيراً ما تتردد هذه العبارة: «كبّرهم يا الله واحرس خطاهم! كبّرهم يا الله واحرس خطاهم! ...» يرددونها كل عشية بتمتمة المؤمن الخاشع، يدلّون بذلك على ما في قلوب الوالدين من محبة عميقة، وآمال رفيعة، ونيات طيبة، يغمرون اطفالهم بها في مراحل حياتهم، خطوة خطوة الى ان يصبحوا شباناً وشابات ... ولكن لو اتيح لنا ان يكشف عما انطوت عليه قلوب الوالدين من اسرار دفينة ومشاعر مكبوتة مبهمة المصادر، اذن لتولانا ذهول وشك قوي بصحة هذه الصلاة ومدى صدق الوالدين في الدعاء لها ... فكل أم تتمنى في عمق اعماقها ان يظل ابنها ذلك الطفل المولع بالماما، وان تظل طفلتها تلك الصغيرة المدللة التي تستشير امها في اتفه الامور. وهكذا الاب. فينشأ من جراء هذه الرغبة الباطنة نزاع شديد في نفوس الوالدين،