اولادها من الطرقات ، وفي عرق جبينها ودم قلبها وفي جراحات نفسها .
في هذا الشتاء ... هل يصح لنا ان نطلب من الموسرين والموسرات ، من العائشين في الترف والخيرات ، ان يشبعوا جوعة جائع ، ان يكسوا عرية عريان ان يلموا يتيماً عن قارعة الطريق .
ان يعزوا مريضاً ومكسوراً .
فتدفأ ضمائرهم ، ويصير للمال معنى كريم في صناديقهم .
مشكلة الطفل والكتاب؟
جلست الراوية في مكتب التحرير تقص علينا قصة ابنها البالغ من العمر سبع سنوات ، سبع سنوات لا غير ..
قالت : عاد امس مساء من المدرسة وهو يجرّ شنتته على الارض جرّاً ، اقسم لكم انه كان يجرها على الارض . هالني الامر ، فظننت ان في الشنتة المدرسية ما فيها ، تطلعت ، فاذا فيها عداً ونقداً :
كتابان للقراءة العربية . كتابان للقراءة الفرنسية . كتاب للقراءة الانكليزية . كتاب التربية الوطنية . كتاب في تاريخ لبنان . مبادىء العلوم الحديثة . كتاب للحساب . قراءات في الجغرافية . الجغرافية الحديثة المصورة .
وشدت السيدة على رأسها تتذكر .. ماذا بعد ؟ ماذا بعد ؟ ولكنها لم تتذكر غير :
دفتر للاملاء . دفتر للنسخ . دفتر للحساب . دفتر للجغرافية .
ثلاث دفاتر للفرنسية . دفتر للرسم .
وراحت تشد مرة اخرى على رأسها تتذكر .. ولكنها كانت قد داخت ، فلم تعد تتذكر ...
قلت ماذا ؟
قالت ماذا ؟ اكتبوا بالله عليكم اكتبوا ، ايجوز ان يحمل مثل هؤلاء الاطفال ، مثل هذه المواد الثقيلة ؟
اسألوا وزارة التربية الوطنية في لبنان كيف أعدت مثل هذه المواد لمثل هؤلاء الاطفال ؟؟
واسألوا ارباب المدارس الابتدائية كيف يجوز ان يدرس طفل في السابعة من عمره « مبادئ العلوم الحديثة » لا بل كيف يمكنه ان يتلفظ باول درس من دروسه ‹ الجسم واجهزته › .
- وبالفعل لم تتمكن السيدة المحترمة من التلفظ « باجهزته » الا بعد عناء ...
واسألوا بربكم ، مؤلفي هذه الكتب .. اسألوهم لمن ألفوها ؟ ألاطفال هذه ؟ وكيف لمثل هؤلاء الاطفال ان يحملوا كل هذه المعلومات ؟ في مثل هذه الكتب ، في مثل هذه الطباعة .
وراحت السيدة الراوية تقارن بين كتاب انكليزي مطبوع في لندن .. قالت : « النظر اليه يشهي الطفل على القراءة .. حروف كبيرة ، طباعة ملونة تريح نظر العين ، سطور موسعة ، في كل سطر ثلاث كلمات ، وفي كل صفحة ثلاثة اسطر .. »
وتنهدت السيدة ، فقد كانت على موعد مع طفلها لتدرّسه وحملت نفسها وسارت الى حيث تنتظرها كدسات الكتب والدفاتر ، والطفولة المسكينة الضائعة في المناهج الضائعة ..
مشكلة تربوية اساسية عميقة هي مشكلة « الطفل مع المؤلف » ومشكلة المدرسة مع البرنامج ، ومشكلة الاهل مع الطفل والمدرسة والمؤلف والبرنامج . ولنا عودة الى هذا الموضوع .
