

(١) يا صديقتي :
أتذكرين أنت بعد ، ذلك الماضي البعيد القريب ، وتلك الساعات التي قضيناها نتبادل الآراء والأفكار ، والآمال والذكريات ؟ هذا الزمن الذي يطوي الجماد والحي ينساب بجانب اللحظات الخالدة دون أن يمسها بأذى فكأنها بمعزل عن جريانه .
لطالما استعدت جمل الأفكار التي كنا نحوم حولها وحاولت أن أزنها بميزان المجتمع فيلوح لي أني سأعدل كثيراً منها ، لا لأعود إلى نظريات ثرنا عليها ولكن لأرى في الواقع ما هو أبعد من الواقع ، وفي الأحداث ما يختفي وراء الأحداث .
لشد ما تغنينا بتحرر المرأة ومساواتها مع الرجل ولكن هل تساءلنا يوماً ، عن معنى التحرر والمساواة ؟ أو لم يفهم بعضهم من ذلك الحرية المطلقة التي تحاذي الفوضى وتنهار فيها ؟ وما دمنا في معرض الكلام عن الحرية فلا يسعني إلا أن أفكر في الحدود التي يجب أن تقف عندها أو في الأسس التي تنبجس عنها .
لا يمكنني ، يا صديقتي أن أفهم حياة الإنسان إلا شكل تحقيق لجوهر خالد كامن في طبيعته هو الكلمة التي ينبثق عنها وجوده وإذا قست الأمور بهذه المقاييس أقول حقيقة المرأة وغايتها القصوى أن تكون أولاً وأخيراً امرأة بكل ما في هذه الكلمة من قوة ومعنى .
أو يمكن أن يكون في المرأة سر أعمق من سر جمالها . وجوهر أنبل من جوهر أنوثتها ...؟ أو يكون انعتاقها من هذا القيد الذهبي الذي يسكب على العالم قوة أين منها قوة الحديد والنار ، إلا جريمة أين منها أثم الآثمين ؟! إن فكر الإنسان ليحار إذ يتأمل هذا الكون الكبير فيرتفع نحو المبدع الأعظم الذي نظمه وأسأل فيه من روحه لغز الكلمة المبدعة وإذ يعجز عن فهم السر الأكبر ، سر الخلق ، يقر بمحدودية مداركه . فالمبدع الأول ، إذ أودع الإنسان الحياة ، أودع فيها قبساً من نوره ، وإذ صاغ المرأة ألهب عينيها بجذوة من ناره ، لتكون مصدر إلهامه ويكون أداته .
لقد صرت أمقت الديمقراطية لكثرة ما اجتر اسمها الناس وتناقضوا في تفسيرها وتحقيقها . فهي حجاب يخفون وراءه أقسى أنواع العسف وأحط نماذج الحياة ، وكأنني بها تعود بنا إلى ما قبل الحضارة والتاريخ لأنها ، تحت ستار إنقاذ الإنسان حولته إلى وحدة مبهمة من آحاد تساق
كالسوائم إلى العمل والمعركة . ولوثت ما تبقى من نبالة في رأس الرجل ونقاء في نظرات المرأة . وإني لأخال المرأة وهي تطالب بحقوقها كالفراشة التي تسعى نحو النور المحرق لأنها لن تجد في القوانين المسطرة والمعلنة إلا ثوباً زائفاً يستر ذاتها الصحيحة ويشدد عليها الخناق ليغني حقيقتها ويحولها إلى وجود كاذب .
لقد حجزنا الزنبقة وسترنا عنها النور فإذا بها تذبل . أما هم فعرضوها للمحرقة فإذا بها تذوب . وكلنا جنينا على الحقيقة تحت اسم التقدم وسعينا إلى الهلاك وراء شعار الخلاص . والإنسان يدور دوماً حول الطريق السوي مرة وراءه ، مرة أمامه ، وأبداً فيه . فكأن الذي حباه من حقيقته غطى هبته بحجاب شفاف ليراها دون أن يصلها ولينشدها دون أن يضع يده عليها . وهكذا يبدأ بالأسى وينتهي باللوعة .

٢٠