ايام من على شرفة الجيران ، فكانت الأم تصبح بابنها الشاب : « انت مجبور ، انا ربّيتك وعلمتك وانفقت عليك الاموال الطائلة !» فيجيبها الشاب بمرارة : « ولماذا خلقتني ، الأسمع منك هذا القول ؟ »
- ان امثال هذه المشاهد شائعة في بلادنا ، وفي كل بلد ما يزال في دوره البدائي من الحضارة ... وانا في هذا الموقف ، اميل الى التحيز مع الشاب . فما دامت امه هي سبب وجوده وكيانه ، فان تربيته باتت منوطة بها وبأبيه ، كفرض واجب لا يحتمل المجادلة ، ولا يتطلب مكافأة . وهل يكافأ المرء على اداء واجبه ؟ لكن الأم ، متى احسنت تربية اولادها فان لها في النتيجة الحسنة ، خير جزاء على اتعابها ...
- انا اخاف ان يكون في رأيك هذا بعض التطرف ، مع احترامي للنظرية التربوية التي تدعو اليه . لان مزاج الغربيين هو غير مزاجنا ، فنحن نعيش بعواطفنا وهم يعيشون بعقولهم ، ولذا لا يجدون صعوبة في ان يفارق الابن امه ، فلا تعود ترى وجهه الا في مناسبات رسمية ، وتقضي ايام شيخوختها الباردة وحدها ، وتفضل ان تقضيها في مآوي العجزة ، من ان تأسر حرية ابنها وزوجته وتثقل عليها بسكناها معها .
- لكن مختلف الوضع هنا في بلادنا ، عما هو عليه في الغرب ، فهنا لا يأوي الى دور العجزة غير المقطوعين الذين لا اولاد لهم ، وحالتهم من العسر بمنزلة العدم . ولكن الواقع ان هذه الدور ، متى توفرت فيها اسباب الراحة ، تهيئ للعجزة ، في اخريات ايامهم ، الطمأنينة والتسلية ، مع اناس تجمعهم واياهم صلات وتقى .
- ان هذه الناحية ، هي من الاهمية بمكان كبير - أعني ناحية الضمان
الاجتماعي - ماتزال في بلادنا ، مع الاسف ، مهملة وفقيرة ، بينما الامم الراقية كبلاد اسوج ونروج ، تعطيها اهمية كبيرة ، وتخصص لها المبالغ الطائلة ، تأمينا لراحة العجزة في آخر سني حياتهم ، ليركنوا الى السكينة والراحة ، دون ان يعكر جوّهم غيمة كدر واحدة ..
- سرّني انك جئت على ذكر «الضمان الاجتماعي» فهذا البحث الذي يستأثر في معظم الامم الراقية بكرسي في وزارة الدولة ، وتخصص له المبالغ الطائلة كما ذكرت ، له صلة وثقى بموضوعنا هذا فتعلق الأم بابنها ، ليس عاطفياً فحسب ، بل جله مادي . فالحاجة هي التي تربط الأم بابنها هذا الرباط المعقد ، فمتى اطمأنت الأم إلى تأمين هذه الناحية ، فضلت الاستقلال وهان عليها التنازل عن الحقوق التي تحسبها ملكها - اعني استئثارها بابنها .
- افهم من كلامك بان ما عنيته ، ان في استطاعة الحكومة بطريقة غير مباشرة ان تساهم ، في حل مشكلة النزاع القديم ، بين الحماة والكنة ، وذلك بتأمين الضمان الاجتماعي ، والعمل بموجبه ، اسوة بالامم الراقية ، فهل احسنت الفهم ؟
- هذا ما عنيته بالضبط يا آنسة ، فالحكومة ، متى امّنت للعجائز ، نساء ورجالا ، دخلا معيناً ، يكفيهم ضرورة العيش ويقيهم ذلّ السؤال ، تكون قد ساعدت كثيراً على ايجاد التفاهم .

