اول ما يلفتك في نازك الملائكة انها شاعرة توفرت على درس الثقافتين العربية والغربية ، وبنوع خاص الادب الانكليزي الذي يرى فيه بعض النقاد افضل نماذج الشعر الاوربي ويراه غيرهم مرآة صافية تنعكس فيها خلاصة الحضارة الغربية المتحدرة من صميم حضارة الاغريق .
نلمس تضلّعها من اللغة في هذه الشاعرية الخصبة بالالفاظ الشعرية ، القديم منها والحديث ، وتلاحظ انها قد ملكت سر ايجاد اللفظة الموافقة ، وانها بارعة في اكتشاف الالفاظ ورصفها ولها محاولات في خلقها ، شأنها في ذلك شأن الفنان الذي يرى نفسه خالقاً قبل ان يكون فناناً .
وترى امعانها في درس آداب الغربيين في اشاراتها الى آدابهم واساطيرهم واستسلامها بعض شعرائهم ، وفي ثورتها الجارفة على جمود الشعر العربي وقيوده ، واخذها باكثر اساليب الشعر الاوربي الحديث من تنويع واقتناء في الوزن والقافية وترابط قوي بين الاجزاء واستثمار لنظريات الرمز والغموض والعقل الباطن ، وفي اسلوبها جرأة وذاتية وتحرر يدنيه من مستوى الشعر الصافي .
تحس ان نازك الملائكة شاعرة بدمها وروحها فهي تحيا بالشعر وتعيش له وقد اتخذته شغلها الشاغل ومهنتها الاولى . وليس عجيباً ان يعلن الشاعر الموهوب عمر ابو ريشة ان الشعر صنعته فالموهبة لا
تغني من غير جدّ مستمر وعمل دائب يصل الليل بالنهار . الا ان الفن غيور لا يسمح لسواه باحتلال قلب الفنان ، وبأبى الا ان يذيب صاحبه النفس قرباناً على مذبحه .
اذا كان للشعر العربي اثر في مجموعة « شظايا ورماد » فهو هذه الموسيقى الاخاذة التي يتميز بها الشعر العربي قديمه وحديثه ، والتي يزيدها هنا قوة تنوع الاوزان والقوافي وتفاوت الاجزاء بين طويلة ممتدة وقصيرة تتردد في اثرها كالاصداء . وفيما سوى ذلك تحرر وتصرف في الاوزان وتجديد تام في المواضيع والعناوين ، في الصور والعبارات ، في التفكير والاسلوب .
اكثر القصائد تستغني عن نظام الشطرين الذي يتبع الطريقة القديمة ، واكثرها ينتهي بالقافية الساكنة ، وللشاعرة ولع بالتكرار والترجيع اللفظي وبالوزن القصير لانه اكثر ايحاء وتركيزاً ، وبالمقاطع الممتدة كامتداد الالم والحنين في نفسها .
عد بنا يا قطار ...
فالمدى شاسع والطريق طويل
والليالي قصار ...
وتزدحم في شعرها الصور النابضة ذات الايماء والوميض والحركة والالوان : معاني الخطايا التي تبرق بريق النجوم وفي لمسها اللهب المحرق ولون الهموم ...


