كان ذلك قبل اعوام وما اسرع ما تمر الاعوام من يدرك سرعة مرورها او من يستطيع ان يقول لها ... قفي .
كنا بضعة اطفال نلعب امام المنزل في مدينة الناصرة عندما مرت بنا صبية سمراء اللون او كما قالت هي بعد ذلك عن نفسها « لونها كلون البن المحروق » وبصحبتها عبد فتي ، فارع العود والتصقنا بالحائط نحاول ان نتوارى عن وجه العبد خشية ان يقتلع احدنا من الارض ثم يرفعه الى فمه فيبتلعه لقمة واحدة ويمسح يده بقفطانه الاحمر فلا تظهر على القفطان اثار الدماء ... ولكنها مرت بنا ضاحكة وكأنها فأطمأننا ورأيناها يقفان بباب منزلنا فتتحدث امي اليها وسمعنا الفتاة تلقي التحية بلهجة بدت يومئذ كالموسيقى في اذاننا تقول « امي تهديك تحياتها وترجوك اعارتنا الدف الذي عندكم لنستعمله في عرس عندنا » ... وسمعنا امي تسألها عن امها .. ومتى عادوا من مصر وكم سيمكثون ، كل هذا ونحن قد تشجعنا فتجمعنا نصغي وتنفرج ، وما هي الا دقائق حتى عادت الفتاة ورفيقها وهي تقفز بجانبه بثوبها القصير ضاحكة وهي
تنقر على الدف تحاول ان تستخرج منه انغاماً ... وكانت تلك هي المرة الاولى التي رأيت فيها مياً وكانت الصورة التي رافقت ذكراها في مخيلتي صورة مشرقة عبد وقفطان احمر وضحكات وموسيقى.
وكان ذلك قبل اعوام وما اسرع ما تمر الاعوام .
وشببت عن الطوق فابتدأت اقرأ لمي ، قرأت لها « زهرات حلم » فاذا بالكآبة تتخلل الزهرات حين تقول : « حزينة اليوم روحي وحزنها القاتم مؤلم ، افكر بالاوراق المتناثرة ، وبالاحياء الذين مضوا ولم يعودوا » .
وتتبعت خطاها في مصر . وحيدة والدين يحنون عليها ، يلحظ والدها ذكاءها الفطري فياخذ بيدها ويفتح لها في منزله منتدى ادبي يؤمه امثال طه حسين والعقاد ولطفي السيد وغيرهم . وما ادراك بمنتدى يؤمه فطاحل الادب هؤلاء ، وتجلس « مي » لتنهل من هذا المنهل الفياض التفكير الناضج الرأي تستمع الى الاراء المختلفة والحجج المتباينة حتى اذا ما انصرف الجمع او اكثره استبقت خاص الاصدقاء فتتفرغ لهم كما قال طه حسين : سمحة حرة نسمع من حديثها وعزفها وغنائها ما نسمع ، ثم يستطرد ولست لانسى صوت مي حين تغنينا الاغاني اللبنانية المشهورة او غيرها في اللغات المختلفة ... ارى هذه الصورة الضاحكة فاتصور السعادة خالصة لصاحبتها .. ولكن المجدع الساكن يزيح القناع فاذا باليد تضغط القلب ليسكن وجيبه واذا بالقلم
يكتب : « ما اسرع ما تفرزه ثواب الورود وما انفس القلوب شديدة التأثر ، ما انفس القلب الحساس وأبئس لاستحطام الجراح في ثناياه »
وتتبعت خطاها تنهل من منهل العلم بظمأ تدرس وتدرس حتى تتقن خمس لغات كما يقول العقاد او تسع لغات كما تقول هي عن نفسها تطالع وتطالع وما ادراك بمنزل يحتوي مكتبتين ضخمتين ، الاولى لوالدها وفيها ٥٠٠ مجلد والثانية لها وفيها ٣٠٠ مجلد ... كل ما هنالك يدعو الى الهناء فالمنابر تمشي اليها والشهرة تؤاتيها والوالدان وهي مبعث فخرهما ومحط آمالهما يغمرانها بحنانهما ، ولكن قلب الانثى كان يكتب : « قصدت الحديقة في صباح منير وتمددت على العشب الاخضر هناك فاقترب مني صبي في الرابعة فناديته تعال يا صغيري الا تجلس على ركبتي ؟ وشعرت بثقل جسده الصغير فذكرت اخي الوحيد الميت فوثب قلبي الى شفتي فقبلت الطفل الاهيه بتلك القبلة عن كآبتي المتصاعدة من فؤادي كما يتصاعد الغيم من اطراف البحر.
وتتبعت خطواتها وقد ارتقت القمة ، رأيتها وقد اقيمت لها حفلات التكريم في لبنان وشاعر القطرين ينشدها :
» مي ، ومن في الناس يجهلها
فالطيب لا يخفى اذا انتشرا
وتصورت ان هذه السعادة التي غمرتها ستقبض من قلبها فاذا بها تكتب « عاملان اثنان يتجاذبان المرء عامل الحزن وعامل


