
فكرت كثيراً عندما بدأت بالكتابة عن مي - فكرت ان لا ادعوها بالنابغة او بالعبقرية - فاذا بي حيالها اصطدم بها كيفما وجهت ناظري وكيفما توغلت بملامسة ذكائها الوقاد وعقلها المبتكر، فهي نابغة عصرها هذا والعبقرية تتدفق من كتاباتها الغزيرة - من تعمقها في ابحاثها وتحليقها بها الى ما لا حد له - الى دقة في التصوير - وايحاء روحي مقترن بروح الامومة الكامنة - فتارة ارى في حماستها واندفاعها روح اللبؤة التي تدافع عن اشبالها - وطوراً المس روح الام التي تربت بيدها الناعمة منشدة بصوتها الشجي لاولادها نشيد الانسانية الاعلى لتوقظ الهمم الفاترة وتحيي الآمال المعذبة بايات وعزم وحنان - فتقول لهم - «غاية الانسانية - المثل الاعلى الذي يعطي الحياة معنى لذيذاً، ويكسبها رونقاً جديداً - ويضرم في النفس ناراً تحرق الفاسد من ميولها، ويؤهلها لان تكون هيكل الافكار السامية والمقاصد الشريفة».
كم اطلّت بنا على آفاق واسعة من الحكمة والاتزان او المعرفة! وكم وكم سحرتنا باسلوبها الشائق من السهل الممتنع فهي بنظري كالدائرة يحار المرء من اي جهاتها يسعى، أمن شخصيتها البارزة الجذابة؟ ام من ثقافتها العالية؟ ام من روائع كتاباتها الساحرة؟ ام من اخلاقها وشعورها وحنانها.
الم تكتب بمداد قلبها هذه الكتابات وتلك الفصول حتى خلدت بها، وهل كالقلب من ينبوع صافٍ كلما امدته العناية بفيضها، اعطى الحياة غزارة بغزارة وجرعة بعد جرعة.
لذلك كان فيضها متصلاً وينبوعه غزيراً لا هوادة فيه فاتحفت البشرية بكنوز بارزة هي ارث الاجيال والاحقاب وفخر نساء القرن العشرين.
ما كان اسعدني يوم وقفت مي وقفتها الاخيرة على «منبروست هول في الجامعة الاميركية» تلقي من دررها الغوالي ما ارقص فؤادي طرباً، فصرت اتلفت يميناً وشمالاً لارى تأثيرها في القوم فاذا بهم ثملون نظيري بخمرتها، جزعون حتى من انفاسهم ان تعكر صفاء تلك الحلاوة فتقطع مجرى كهربائياً سرى منها الينا، وما احلى روحها السامية التي نفثتها في ارواحنا وختمت بها كلماتها السحرية بقولها: «ثقافة فرد واحد تثقف افراداً عديدين، نور صغير واحد يضيء بقعة واسعة، قوة فرد واحد تخلق الف بطل».
ولعلها وهي ذلك الفرد يحيي فينا روحها هذا فتخلق الف بطل والاف الافراد فيتصلون بارواحهم الغنية فتمدهم بالنور والقوة والبطولة والحياة.
كم مرة احتمينا نحن النساء بمي وتظللنا بظلها ونحن رافعات الرؤوس، اليست هي جزءاً من الكيان النسائي الشاعر بالحيف والقاضي عليه بهضم الحقوق؟ لقد جربت ان تظهر للرجل معايبه في لين وتقصيراته برقة، دون ان يظهر فيها
الاغترار بالنفس مع انه يحق لها ان تفعل وقد فاقت الكثيرين من حملة الاقلام بتحليقها في الاجواء البعيدة وخوضها الموضوعات الدقيقة، فاستحقت شهادة اعظم رجالنا قدراً - «شهادة العالم المرحوم يعقوب صروف» الذي قال في تقديم كتابها «باحثة البادية» «لا اتذكر انني رأيت حتى الساعة من ضارعها فيهم من كتاب العربية ولا من فاقها من الاوربيين».
كتاباتها كلها قصيدة النساء ونشيدهن الابدي، موسيقاها عذبة، وافكارها سامية تلبسم الجراح، فما احلاها اذ تقول للرجال: «ظلوا عاملين على تحرير المرأة التحرير المنشود حتى تسمعوا من نفوسكم تلك الشهادة البديعة - ايها الرجل لقد احسنت - احسنت لانك كفّرت، احسنت لانك انصفت».
من حادث مي ولم تسحره بطلاوة حديثها وعذوبته؟ ومن قرأ مي ولم يهتف هتاف الاعجاب من جمال تعابيرها المستجدة وبيانها الوهاج، ترفع قارئها الى الاجواء البعيدة فيحس بسمو افقها وروعته، اديبة اجتماعية ومصلحة عظيمة، فصيحة اللغة نقيتها - خطيبة لا تباري - تستكنهُ المجهول بعاطفتها الحية وعقلها النير، وتظهره للعيان باسلوب ليّن اخاذ، اولا يشعر قارئها انه ازاء رسام ماهر -