ما قرأت يوماً مقالاً ادبياً لاحدى ادبياتنا المعاصرات الا وتجلت امامي خلال سطور ذلك المقال روح مي ، مي التي تعرفت اليها بواسطة قراءتي مؤلفاتها وانا بعد في اواخر مراحل الدراسة ، ومي التي تعرف اليها معظم النساء وهن يجتزن مرحلة من مراحل حياتهن قد تكون بعيدة جداً عن المرحلة الحاضرة .
يعلم الله انني لا اتذكر لمي الكثير مما قالت وانني اذ سئلت عما اعي في الذاكرة من اقوالها لاعلنت تقصيري في هذا المضمار ، كما لا اشك ان ما ينطبق عليّ ينطبق على الكثيرات من اخواتي ، حجتنا في ذلك اننا على بينة من جميع ما قالت مي ، ولكننا عاجزات عن ايراد النصوص ، فنحن لا نذكر بالحرف ما قالت مي في مقالتها « اجراس عيد الميلاد مثلاً.. » ولكننا نستطيع ان نخرج المقالة « اجراس عيد الميلاد » من بين مجموعة مقالاتها وان نضع تلك المقالة في الميزان فنحكم ان هذه المقالة هي من القطع الخالدة التي سُطّر بتسطيرها خلود ادبيتنا مي .
نعم ، قد لا نستطيع ان نعيد اقوال مي بالذات او قد لا نرغب في ذلك ، ولكننا دون علم منا نحمل جزءاً من روح مي في كتاباتنا ــ هذا اذا كنا من الفن الكتابة ــ ونحمل جزءاً من روح مي في حياتنا اليومية العادية ــ اذا كنا نؤلف مجموع القارئات اللواتي شأنهن المطالعة .
وما هي روح مي التي نشعر باستقرارها في نفوسنا ؟ روح مي هي تلك الروح التي تنبض بالحيوية وتزخر بالنشاط وتبدو
واضحة في كل مرفق من مرافق حياتنا روح مي ، هي الروح التي تقوّم الاعوجاج وتنبري لرفع شأن الحق ، هي الروح التي تقر الاستقامة وتأبى غيرها ، هي تلك الروح التي تحب الجمال وتهوى الكمال وتحلق طليقة في اوج الشعر والادب والفن بما في ذلك الموسيقى والرقص ، روح مي هي تلك التي لا تقبل التساهل في امور اللغه وتستنكف من ارتكاب اللحن ، هي الروح التي تقدّر للغة صولتها وتعينها على المضي في حياتها دون ان تلحق بها شائبة تشين الى سمعتها . روح مي هي تلك الروح التي حملت فتاة العصر عندنا ، على ان تتخطى الحواجز وتقف على منبر الخطابة كوقفة مي التي عرفت المنبر وهي بعد يافعة . روح مي هي نفحة من كيان فتاة عربية عملت فرفعت رأس الفتاة الشرقية عالياً وجعلت لها تراثاً تستند اليه اذا ما كانت في حاجة يوماً الى ما يدعم وقفتها في كفاحها نحو النهوض . روح مي هي تلك الروح الطليقة الغريدة التي لا
تتقيد بالحروف والكلمات والاسطر والفقرات بل هي التي تتخذ من هذه كلها اداة تشعر كل فتاة بواسطتها ان شيئاً اقوى من الكلمات قد استتب في كيانها ، شيئاً اعز من الاسطر والمقالات ، شيئاً ينحصر في اثر عميق غير منظور الا وهو روح مي .
لو ماتت مي وبقيت المرأة عندنا تتخبط في ظلمات الجهل والغباوة لقلت ان لا خير في ادب لا تأثير له ولا خير في ادبية تعيش هنيهة لتموت اجيالا ، ولكن المرأة عندنا في حالة يقظة نرى ذلك في كل لفتة من لفتاتنا ورؤية ذلك تحملنا حتماً على ان نقول : ان مياً لم تمت ، ان روحها حية طليقة لا تزال تحفز الاقلام وتشحذ الهمم وتوجه النساء الى الخير دائماً بما كتبت مي يوم كانت روحها محبوسة ضمن الجسد ويوم كانت الروح تحرّك الانامل لتخط ما سيكون له الاثر كل الاثر في عالم متطلع دائماً نحو الرقي .

