ترى الحياة من خارج الحياة ، ولا ترى الحياة من قلب الحياة . لذا لم تصور من الواقع غير واقع نفسها ، ولذا آثرت ان تبقى في المثال .
اما الظاهرة الاخرى ، فهي نزوع فلسفي الى « وحدة الوجود » . هندي الاصل ، فلسفه الاسكندرانيون بعد افلاطون ، ونبه ابن باجه وابن رشد من فلاسفة المغرب الاندلسي في جعله عقلياً ، وترك رواجه في الغرب بعض المتصوفة كالاسوجي سويدنبرغ ، وامثال هوفمان وهارتن وماكس ملر . وهذا الذي عني بأخراجه ادغار بو في « اوريكا » .
وأبين ما يظهر هذا النزوع عندها قطعتان : « نشيد نهر الصفا » و « يوم الموتى » والاولى في مظاهر الوجود المحسوس والثانية في ما وراء المحسوس : ففي البدء كان الله ، وكان فيض العالم معه . فالعالم أزلي بأزلية الله . سرمدي بسرمدده . وفي هذا الفيض تمتزج المظاهر المحسوسة جمعاء : اللون والنغم ، والنور والطيب ، عطر الزهرة وهدير المحيط . وتتصل الذرة بالافلاك ، والافلاك بالله . وقد افاض الله مع الوجود خيراً عميماً يغمر الوجود . وهكذا فليس في الكون موت بل بقاء ، لان الاكوان تتحول ولا تفنى ومآلها الله والله بقاء وحسب . يتحول الشكل ويفنى في نهاية النهايات ، اما الجوهر فيمر صعداً ويتجسم ويتحول وينقلب الى الروح الاكمل الذي انبثق منه .
وكأنما أنف « الغرباء » وحشة الدنيا ، فلجأوا في آدابهم الى ما وراء الطبيعة ، يستكشفون من خلال حجب الاشكال الزائلة حقائق منها ابقى حقائق الازل .
ففاء الى الدين بعضهم ، وفشل بعض آخر وراح يتحلى من لذائذ الدنيا ، وأوى الى التصوف الروحي والعقلي بعض أخير ، كأنما لم يلق إلا بهذا الفرار المفترض ارتياحاً . ومن هذا البعض الاخير نفس مي . اين تراها ارواح الذين عبروا ؟ تراها رمت عن كتفها اعباء الليالي ؟ أم حملت في وجودها الجديد اعباء آخر ؟
انها تركت في ارضنا فوحاً متصلاً بأصول « الذات » من ناحية ، وبالفكر المجرد الفلسفي بعلاقة ما بين الانسان والوجود ، من ناحية اخرى . بينا كان ارباب المنثور عند العرب يشغلون بالتألق والتنميق وتسلية اللاهين عن ربط اوجاعهم بالوجود ، وعن خروجهم بهذه الاوجاع الى ملأ البقاء .

