... ثم تجيء عروس الادب النسائي في هذا الجيل وهي فتاة اعرفها جيداً ، فقد كانت رفيقتي في الدرس ، وزميلتي في طلب الادب والفلسفة بالجامعة المصرية ، وهي المداموزيل صهباء .
اعرفتم من هي ؟
ان لم تعرفوا فاسمعوا :
كان لي بالجامعة المصرية زميلة تنافسني منافسة عنيفة ، وكنت اضمر لها ظلاً من البغضاء . ولحظ ذلك المرحوم اسماعيل بك رأفت فدعاني الى مكتبه ثم قال :
« اتعرف ما معنى « ميّه » التي تغنى بها الشعراء ؟ » فقلت « لا » ! فقال « ميّه » هي الخمر بالفارسية واهل فارس يسمون الخمارة « مي خانة » فعرفت منذ يومئذ ان الآنسة مي معناها المداموزيل صهباء .
والآنسة مي هذه ، شخصية صحيحة النسب الى حواء . هي شخصية نسائية في كل شيء . قلبها قلب امرأة وعواطفها عواطف امرأة ، واسلوبها في الكتابة والخطابة والحديث اسلوب فتاة خلوب ، تعرف كيف تغزو الصدور والقلوب هي فتاة مخضرمة ، جمعت بين الشمائل المصرية والسورية ، واطلعت على آداب كثيرة لامم مختلفة وعرفت كيف كان يفكر العرب وكيف يفكر المصريون والفرنسيون والانكليز والالمان .
وفي ادبها ظلال ما قرأت وما سمعت وما عرفت ، وهي مع ذلك كله فتاة شرقية تجري في عروقها احلام الشرق الاصيل .
رافقتني الآنسة مي بالجامعة المصرية ثلاث سنين ، وكان الطلبة يختلفون معي اختلافاً شديداً حين كنا نعرض لتقدير مواهبها الادبية ، فسألنا الاستاذ المهدي ان يحكم فيما شجر بيننا من خلاف ، وكان فينا من يفضل « باهم البادية » ومن يقدم « مي » فقال الاستاذ : « تلك اجزل ، وهذه ارشق . »
ومن المؤكد عندي ان هذه الفتاة متينة الثقافة الى حد بعيد ، وهي نموذج للفتاة المثقفة التي ينشدها اهل هذا الجيل ، ومعرفتها بالادب معرفة صحيحة ، وهي من اجل ذلك تعد من نوادر المثقفات .
اما ادبها فهو أدب يتسامى الى منازل الفحول . وتود لو نظرت الى الحياة بعيون الرجال . ولكن فطرتها النسائية لا تمكنها من ذلك . وهو عيب جميل ، فهي دائماً تحوم حول الازهار النسائية ، وتكاد عناوين مقالاتها تنطق بانها لم تكن ولن تكون الا فتاة صحيحة النسب الى السيدة حواء .
ومن مزايا هذه الفتاة انها ادخلت في النظام الاجتماعي سنة الاندية الادبية وكان لها في بيتها ناد يختلف اليه الناس في مساء الثلثاء ، ومن سوء الحظ اني لم اشهد هذا النادي ابداً ، فقد كانت بيني وبينها احقاد وكان بعض المفسدين اوهمها اني لا

