ما عرفت مي شخصياً ولكنني عرفتها من خلال نفثاتها الأدبية. وأذكر أني سمعتها في منتدى وست في الجامعة الأميركية ببيروت يوم كنت طالباً فيها. سمعتها تلقي محاضرة في موضوع اجتماعي. تناولت فيه أخطاء المجتمع البشري.
كانت مي على شيء وافر من الثقافة والعلم فقد كانت تجيد اللغتين العربية والفرنسية وتلم بالإنكليزية. وقد تركت لنا من المؤلفات الأدبية شيئاً نفيساً. ومن مؤلفاتها: باحثة البادية، غاية الحياة، كلمات وإشارات، المساواة، سوانح فتاة، ظلمات وأشعة، الصحائف، بين الجزر والمد، رجوع الموجة، الحب في العذاب، ابتسامات ودموع، ثم كتاب أزهار الحلم الذي وضعته باللغة الفرنسية وهو كتاب لم يسعدني الحظ بالاطلاع عليه. على أنك حين تقرأ هذه المؤلفات أو بعضها تجدها تعكس فيما تعكس نفسية حائرة مضطربة قلقة يتجاذبها مد الحياة وجزرها. تحس وأنت تقرأ مي في كتبها أنها سجينة الوحشة والوحدة. وأن قدر لها أن تنطلق في ساعة من الساعات فهي ضائعة تائهة أضلت الطريق وغمرتها الظلمة. فهي باحثة في بادية الحياة تجهل غاية الحياة. ولعل مرد ذلك عائد إلى عذابها في الحب وبقائها بعيدة عن نعيم الأمومة الذي آثره الشاعر القروي على نعيم الله.
يدلك على شعورها بهذا الفراغ الموحش
أقوالها الكثيرة. من ذلك قولها في موضوع: «أنا والطفل» «فسألته ألا تجلس على ركبتي؟ فجلس صامتاً. ولما شعرت بثقل جسده الصغير ذكرت أخي الوحيد الميت. ووثب قلبي إلى شفتي. وجالت الدموع بين أجفاني. فملت إلى الطفل أمتص من حلاوة وجنته لاهية بتلك القبلة عن كآبتي المتصاعدة من فؤادي كما يتصاعد الغيم من أطراف البحار. ما أعذب قبلة الأطفال وما أعذب طعم ابتسامهم.»
وقد لا أغالي في شيء إذا أنا قلت إن لفظة طفل وأمثالها كانت من أحب ألفاظ اللغة إلى قلب هذه الأم العذراء! وجاء لها أيضاً في موضوع «بكاء الطفل»: «سمعت الطفل يضحك فاختلجت روحي الأثيرية في جسدي الترابي. إن صوت هذا الرضيع ليرجع صدى أصوات الملائكة الخ...» وها هي في مقالتها من «والد إلى ولده» تكاد تبوح برغبة الأمومة المكبوتة في نفسها حين تتساءل قائلة: «وللقائل في سره ترى كيف تحب الوالدة؟ ترى كيف يحب الوالد؟ جئت أنت ببعض الجواب في الرسالة الأولى حيث وصفت حبك لولدك وصفاً جميلاً الخ» ولعل هذا الشعور بالوحشة التي كانت تعانيه مي عائد إلى أنها شاعرة ذات إحساس مرهف. والشاعر يعيش أبداً في وحشة قاسية في أشد مجتمعات الناس ازدحاماً وبين أهله وأصحابه. ففي حفلة بكفيا - من أعمال لبنان (وطن مي الأصلي أو الأم كما
يقولون) تقول في نهاية حديثها: «لبنان هي كلمة واحدة. هي لفظة صغيرة. ولكن كل الحب وكل الرجاء فيها لأنها اسم الوطن الغالي. في صدره قبور الجدود والأحباب يعطف على بقاياهم عطف الأم على رضيعها.» وهكذا فالأم والطفل الرضيع ألفاظ تكررها مي وتكررها بشيء كثير من الحلاوة. وهي إذ تذكر الأم تتذكر هذه الأمة العربية المنكودة الطالع التي قضت على المرأة بالحرمان من أشياء كثيرة هي حقها في الحياة وسر جمالها. فتقول: يرمز المصورون إلى العبودية برسم رجل يائس رسف في قيوده ولو أنصفوا ما كان غير المرأة رمزاً. ذلك
( البقية على الصفحة ٥٨ )



