من اعثر الامور على الباحث في حياة مي وفي نظرتها الى الحياة ان يعثر فيها هو منشور عنها حتى الان على الكثير مما يلقي على حياتها الفذة نوراً وعلى افكارها بصيصاً ينفذ منه الى كنه معتقداتها والى صلب تفكيرها الاجتماعي . ولا يمكن لنا في هذه العجالة ان نتقصى تفاصيل هذا التفكير ولا ان نتعمق في دواخله ومخارجه ولا ان نرى اثره في عصرها لما يتطلبه ذلك من كثير البحث مما ليس باستطاعتنا ان نفعله الان . ولكن ثمة امر مهم في حياة مي وفي تفكيرها يجب علينا ان نطرقه ونلفت اليه الانظار لاهميته بالنسبة لتاريخ نهضتنا الحديثة اكثر منه لاهميته الذاتية . فالعصر الذي كتبت فيه مي والعصر الذي ساهمت في توجيهه كان عصراً تتمخض فيه البلاد عن نظرة جديدة الى الحياة ان في الاجتماع او في الوعي القومي او في السياسة . وهذه الامور الثلاثة تتشابك بعضها مع بعض ولا يمكن للواحدة ان تنفصل عن اختيها او ان تتأخر عنها ، وعندما يحدث ذلك تصطرع الثلاثة ويقف التقدم الفعلي حتى تتشابك الايدي من جديد . وهذا الصراع بين عاملي الوعي القومي والسياسة وعامل الاجتماع كان في عصر مي صراعاً ضروساً وهو لا يزال كذلك الى درجة ما .
فمفهوم السياسة التقدمي ووضع العالم القومي كان يتطلب منا ان نسير الى الامام الى حلبة الصراع بسلاح الامم القوية . لكن ويا للاسف ، كانت حياتنا الاجتماعية حياة تأخر ونكوص ، تستمد وحيها واتجاهها من تقاليد الشرق البالية ومن قيوده الرواسف .
واذا كانت الحالة في بلادنا صراعاً بين القديم والحديث ، فالغرب كان قد تخطى
هذه المرحلة ووقف امام مشكلة أدهى ، اعني به مشكلة التفاوت بين الطبقات وقضية السيادة . لماذا يتمتع افراد باطيب الحياة ويشقى آخرون دون ما سبب ؟ ومن يجب ان يقود الدفة لمحق هذا التفاوت ؟ .
من يعرف مي يعرف انها كانت تعيش بين الشرق والغرب ، اي انها كانت تريد لهذا الشرق عقلية الغرب المتفتحة ، المنطلقة ، هذه العقلية النفاذة التي لا تقبل لمجرد القبول ولا ترفض لمجرد الرفض ، بل تبحث وتدقق وتفهم وتحكم ، ولكنها لم تكن ترغب له ان يخسر روحه وان يفقد هذا الحنان المالىء
اعطافه وهذا السلام المهيمن في قلوب بنيه . ففي قلبها شعلة جديدة ، شعله حملتها اليها رؤية وطنها يحاول ان يتفلت من قيود العبودية ، عبودية الفكر وعبودية الافكار فهي تعيش وكأنها لا تعرف اين وتنظر حولها وفي نفسها رغبة ملحة لان تعرف اين هي ؟ ومن هي ؟ في نفسها حنين الشرقي الراغب في العالم بأجمعه له وطناً وكبرياء الغربي في عزته بوطنه وبقوميته . وانها لتدرك ان في قرارة نفسها توقاً لان تختص بوطنها . لان تعتز به ، ولان تستمد من هذا الاختصاص ومن هذا الاعتزاز هدوءاً


