يضيفه اليقين على قلوب المؤمنين . فهي تعرف ان الفلسفة وان الفن وان العلم لا وطن لها ، ولكنها تدرك ان للفنان وللفيلسوف وللعالم وطناً ، وهي تريد ان يكون وطنها لها وان تكون له ، ولهذا السبب ترى من واجبها ان تدفع عن هذا الوطن غوائل الاستعمار وان يحمل هذا الوطن عقلية القوة وعقلية الانتصار .
والشرق الغربي في مي يجعلها تتساءل عن هذه القسوة في التمايز ، فهي تعطف على الفقراء وتعطف على الشعب العامل وترى ان هناك تفاوتاً في الطبقات يبعث الحسرة في النفوس والدمعة في العين ، فهي تدرك بقلبها هذه المشكلة التي يدركها الغرب بعقله . هل يمكن يا ترى للناس ان تتساوى ؟ وما هي هذه المساواة ؟ واين هي ؟ لقد خصصت مي لهذه الاسئلة كتاباً فريداً في نوعه في اللغة العربية ، الاول في نوعه ان لم يكن في موضوعه ، بحثت فيه الطبقات الاجتماعية وكيفية نشوئها ثم درست كل طبقة على حدة ، الارستقراطية ، العبودية والرق فالدمقراطية ومن ثم تعرضت لحلول هذه المشكلة الجديدة ، فبحثت في محاولات الفلاسفة ايجاد مدن فاضلة كتومس مور وكمانلا وولز ، ودرست آخر هذه المحاولات في نظرية ماركس وطرقها الثورية وما قد تؤديه هذه الاخيرة الى مذاهب مختلفة كالنوخوية والعدمية وكلها في نظرها تؤلف مشاكل اشد تعقيدا واشد ضيقا ولا يرجى منها تحقيق المساواة .
وتعتقد مي ان الطريق لايجاد المساواة غير سهلة وتعتبرها صعوبات جمة ، فتخلص الى القول انه من الضرورة ايجاد نوع من التأميم ، القريب من الموجود في انكلترا اليوم لان مشكلة المساواة لا يمكن حلها
بطبيعتنا البشرية ، فتطلب من الحكومات ان تفتح مطاعم عمومية ومنازل للمبيت مجانية يؤمها الفقراء والعوزة ، وان تمنع التسول وتجعل التعليم الاولي اجبارياً والزامياً وتوجد مكاتب عمومية تمتحن فيها الكفاءات ، وان تكون عبادة الاطباء والصيدليات والمستشفيات والتمريض مجانية للجميع وان تتولى الحكومات دفع رواتب
المحامين ، وان يفرق في السجون بين المساجين حسب مراتبهم واخلاقهم . وبهذا النظام يمكن الى درجة ما حل هذه المشكلة .
في هذه اللمحة نشرف على بعض تفكير مي السياسي ونرى منه توجيهها التقدمي وهذا الجنوح الى الانفلات من اللاوعي القومي الى الوعي الصرف .

