من حق الأدباء في مصر أن يتحدثوا عن مي، فقد عايشوها ردحاً من الزمن، كانت فيه «مي» منارة الشرق العربي. وقامت بينها وبينهم صلات روحية عميقة، نشأت في جو ذلك المنتدى الأدبي الذي كان محجة كبار الأدباء والساسة.
وقد جمع الأستاذ محمد عبد الغني حسن طائفة من هذه الذكريات، ننشر بعضها فيما يلي:
■
١ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
- كيف نشأت الصلة بين معاليكم وبين «مي» وما رأيكم في ناديها الأدبي؟
- رأيتها أول مرة في حفلة بالكونتننتال للاحتفال بمرور خمسة وعشرين عاماً على إنشاء مطبعة المعارف. والواقع أن الزمن أنساني كيف نشأت الصلة، ولكن الذي لا ينسى أني بعد هذا كنت من المترددين على ناديها الأدبي، والحق أن «ميّا» لم تكن تغشى الحفلات الاجتماعية والأندية كثيراً، فكان الاجتماع للمتصلين بها في ناديها الخاص الذي جعلته في بيتها، وكانت هي التي تتولى إدارة الحديث في المجمع، وكانت تنوع الأحاديث وسلامتها، يدل على مقدار كفايتها الأدبية.
وكانت «مي» تدير الحديث ولكن من غير أن تظهر بمظهر المتزعمة في النادي أو المتصدرة في الحفل مما يدل على ناحية من نواحيها الخلقية الجميلة.
٢ - هدى هانم شعراوي
- كيف عرفت ميّاً. وما أولى ذكرياتك عن مقابلتك الأولى لها، وما الأثر الذي تركته في نفس عصمتك؟
- ترجع معرفتي بمي إلى سنة ١٩١٤. فقد كنا في ذلك الحين ننظم سلسلة من المحاضرات للسيدات في الجامعة المصرية
القديمة. وكان يختلف إلى جو المحاضرات عدد مختلف من كرام الآنسات والسيدات، دفعهن الشوق إلى العلم، وقادهن مصباح من الأمل، ذلك الأمل الذي كان يختلج في صدر المرأة المصرية في إبان حركتها وفي مقتبل نهضتها.
وبينا أنا في سبيلي إلى مغادرة جو المحاضرات بعد إلقاء المحاضرة إذا بعيني تقع على فتاة تميزها من بين ذلك الجمع النسوي حركات رشيقة، وروح لطيفة خفيفة، وينبعث من عينيها السوداوين أشعة قوية من ذكاء خارق ولمعية حادة وفطنة نادرة.
رأيت هذه الفتاة تقترب مني قليلاً، وتفحصني وتستوقفني قائلة:
«سيدتي هدى، أنا معجبة بمشروعك مقدرة لما تبذلينه من جهد، لذلك أضع نفسي تحت تصرفك. ولا تظني يا سيدتي أني صغيرة لا أستطيع المعاونة أو لا أقدر على المساعدة... أنا كاتبة وشاعرة، أنا أكتب في الصحف وأنشر في المجلات. أنا «مي» ولا أظنك يا سيدتي إلا قرأت شيئاً مما كتبته. ألا تعرفيني؟؟»
وكانت هذه الكلمات الصريحة المملوءة
بالشجاعة الأدبية والاعتداد بالنفس والثقة بالشخصية، والتي تنم في الوقت نفسه على روح مفعمة بالنية الخالصة والقصد الحسن - كانت باعثي على أن أضم تلك الفتاة إلى صدري، وأن أقبلها قبلة الإعجاب بها والرضى عن نبل مقصدها وشرف غايتها.
وأبديت لتلك الفتاة التي عرضت نفسها لخدمة غرضنا النبيل إعجابي بمعرفتها وسروري برؤيتها، واغتباطي بانضمامها إلى صفوف حركتنا كاتبة بقلمها، وموحية بفكرها، وملهمة بشاعريتها...
ولم يمنعني صغر سنها من أن أرحب بانضمامها إلينا، ومن أن أتوقع منها الجهد الكبير والعمل العظيم.
٣ - الدكتور طه حسين
لحياة مي مظهران أولهما:
صالون مي: أما صالون مي فقد كان ديمقراطياً أو قل إنه كان مفتوحاً لا يُرَدُّ عنه الذين لم يبلغوا المقام الممتاز في الحياة المصرية، وأنا أذكر أني إنما اتصلت بصالون مي بعد أن نوقشت رسالتي في أبي العلاء وشهدت مي هذه المناقشة وشهدت فيها بعض الحفلات التي أقامها لي الزملاء حينئذ وطلبت إلى أستاذها وأستاذي لطفي السيد أن يظهرني في صالونها، وكذلك عرفتها في هذا الصالون وترددت عليها في أيام الثلاثاء إلى أن سافرت إلى أوربا. وقد رجعت إلى مصر بعد سنة فأقمت فيها أشهراً ولاقيت فيها ميّاً في أيام الثلاثاء كما كنت ألقاها قبل السفر.

