على سرير أسود في مستشفى المعادي بالقاهرة، تلوت امرأة هزيلة في خريف العمر فتنهدت تارة وكأنها في أتون يستعر وسكنت تارة فشخصت بعينيها النسريتين الى العلاء لتسائل أهله اين المصير...
في تلك الساعة الفاصلة بين الموت والحياة، استجمعت مي، في ذهنها المتعب تحت وطأة الألم، أطياف ذكرياتها الراسخة فارتعشت رهبة يمازجها القنوط وهمست في أعماق نفسها الحائرة: يا لخيبة الأماني...
واندفعت أشباح أمسها العاصف تتسابق كسرب من الطيور الظوامي. ترد الماء: هذه مدرسة عينطوره حيث لا تزال أحلامها الجامحة تستوثب في الفضاء. وهذا منزلها الأبدي في القاهرة يخفق في صميمه ويخفق حنان الأم والأب وولاء الخلان من رواد صالتها وهذا الشاعر
الغريب الذي تفاهمت بالروح معه، فأحبته حتى الهيام ولم تره، هذا شبحه، شبح جبران المتمرد، يتراءى لها في تلك اليقظة الأخيرة فتثور وتصيح: دعوني وحدي، أني لعطشى الى الانفراد، فتنسحب الراهبة وينسحب معها القليلون من الأوفياء الذين كانوا يعودون الأديبة في محنتها العسيرة.
نعم، عطشت الى العزلة الموحشة، في خطوة النهاية، تلك التي قضت العمر كله وحيدة القلب، وحيدة الروح، لقد تلمست الانفراد لتنصرف الى التأمل والنجوى في ظل سكينة تعزز الأسى.
وكان على الطاولة، بالقرب منها، كتب أربعة: غرازيلا، ديل حلمي التائه، صورة دوريان غراي، وكتابها باحثة البادية.
وسمع تواً، عند منتصف الليل، شهيق متقطع يحاكي تنهد الطفل وهو يختنق فهرولت الراهبة الى المريضة فوجدتها جاحظة المقلتين، ربداء المحيا، فسألتها عما بها فلم تقو على الجواب بغير إشارة جهة القلب. وبادر الطبيب الخاص ولكنه لم يلبث ان سلم بعجزه وعجز أمصاله. وتابعت الساعة دورة الإطار ببرودتها العاتية، وأنفاس مي تزداد ضيقاً في كل لحظة حتى كانت الساعة العاشرة




