من مي الى جبران
مرت اسابيع ستة او سبعة دون ان اكتب لاني كنت اقول لنفسي « يجب ان نقف هنا » ولكننا لم نقف بل خطونا خطوة ، بل قمزنا قمزة تذكر في النشيد الغنائي . وكنت في الاسكندرية ازاء البحر الذي يجلب التأمل وينمي حب الاختلاء ولم اشأ ان اجعل لمعنى النشيد اهمية خطيرة . فكتبت اقول انما اردت ان تقتصر مراسلتنا في مواضيع فكرية فقلت لك صريحاً اني التمس في رسائلك الفائدة التي اطلبها في كل مكان ، انت قيدتني « مذنبة » في دفترك وقمت تشكو لاني كنت كلما « حدقت في شيء اخفيه وراء القناع وكلما مددت يداً اثقبها بمسمار » نعم فعلت ذلك وفعلته متعمدة ، تعمدت « قطع تلك الاسلاك الخفية التي تغزلها يد الغيب وتمدها بين فكرة وفكرة وروح وروح » وصرت احرف المعاني وامسخ الاسئلة واضحك عند الكلمات التي تملأ العينين دموعا . وهل كان لدي من وسيلة اخرى لاحولك عن هذا الموضوع واذكرك اني وحيدة ابوي ؟ قد لا يكون
في العائلة الغربية الا ولد واحد فيقذفون به من انكلترا الى الهند ، او فتاة واحدة فترحل من فرنسا الى الصين بلا جلبة ولا ضوضاء . ولكن اين نحن من هؤلاء ونحن شرقيون .
تعمدت ذلك خصوصاً لاوفر على نفسي عذاباً انا في غنى عنه ولأتحايد كل كلمة تقربني من ذلك الموضوع الذي ملأ روحي شوكاً وعلقاً في هذه السنوات الماضية . ففهمت ما اريد وانما في غير معناه الحقيقي وفهمته على وجه لم اقصده . ثم سطت عليك الكبرياء - كبرياء الرجل - فنسيت ان السكوت لا يحسن بيننا على هذه الصورة نحن اللذين تكاتبنا ابداً كصديقين مفكرين . نسيت ان الموضوع الآخر جاء عرضاً وما دام انه لم يكن الاصل فقد كان له ان يتلاشى دون ان يؤثر في علاقاتنا الادبية الفكرية ام صدق القائلون ان صداقة الرجل والمرأة رابع المستحيلات .
آلمني سكوتك من هذا القبيل وارهف انتباهي فالفتني الى نقط كلها غير مسرة منها انك لم تشاركني ارتياحي الى تلك الصداقة الفكرية لانك لو كنت
سعيداً بها مثلي لما كنت رميت الى ابعد منها . علمت اني كنت وحدي حيث كنت اظننا اثنين . وقدرت انك لم تكن تحسب تلك سوى « مقدمة » وانا كنت اقدرها لذاتها . وصار معنى سكوتك عندي « اما ذاك واما لا شيء » وانت ادرى بأثر هذا في نفسي . - مصر ، ٦ ديسمبر ١٩٢٠ .
... جبران ، كتبت كل هذه الصفحات ضاحكة لأتحايد قول انك محبوبي ، لاتحايد كلمة الحب . ان الذين لا يتاجرون بظاهر الحب ودعواه في السهرات والمراقص والاجتماعات ينمي الحب في اعماقهم قوة ديناميتية رهيبة قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللآلأ السطحي لانهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر ، ولكنهم يغبطون الآخرين



