من جبران الى مي
... وماذا عسى ان اقول عن رجل يوقفه الله بين امرأتين : امرأة تحول من احلامه يقظة وامرأة تحول من يقظته الاحلام . ماذا اقول عن قلب يضعه الله بين سراجين .
ماذا اقول عن هذا الرجل ؟
هل هو كئيب ؟ ... هل هو سعيد ؟ ... هل هو غريب عن هذا العالم ؟ لا ادري . ولكني اسألك اذا كنت تريدين ان يبقى غريباً عنك ..
هل هو غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسه ؟ لا ادري . ولكني اسألك اذا كنت لا تريدين محادثته بهذه اللغة وانت اعرف الناس بها .
او لست انت ايضاً غريبة عن هذا العالم ؟ هل في هذا العالم كثيرون يفهمون لغة نفسك ؟
انت وانا يا مي من الذين حبتهم الحياة بالاصدقاء والمحبين والمريدين ، ولكن قولي لي هل يوجد بين هؤلاء الغيورين المخلصين من نستطيع ان نقول له الا فاحمل صليبي على راحتهم دون ان يتمنوها لنفوسهم ، ويفضلون وحدتهم ويفضلون السكوت ويفضلون تضليل قلوبهم عن ودائعها والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة ، يفضلون اي غربة واي شقاء ( وهل من شقاء وغربة في غير وحدة القلب ؟ ) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة .
ما معنى هذا الذي اكتبه ؟ اني لا اعرف ماذا اعني به . ولكن اعرف انك محبوبي واني اخاف الحب . اني انتظر من الحب كثيرا فاخاف ان لا يأتيني بكل ما انتظر . اقول هذا مع علمي بان القليل من الحب كثير . ولكن القليل في الحب لا يرضيني . الجفاف والقحط واللاشيء خير من النزر اليسير .
كيف اجسر على الافضاء اليك بهذا وكيف افرط فيه لا ادري . الحمد لله اني
اكتبه على الورق ولا انلفظ به لانك لو كنت الان حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام ولاختفيت زمناً طويلاً فما ادعك تراني الا بعد ان تنسى ، حتى الكتابة اليوم نفسي عليها احياناً لاني بها حرة كل هذه الحرية .
اتذكر قول القدماء من الشرقيين انه خير للبنت ان لا تقرأ ولا تكتب ؟ ان القديس توما يظهر هنا . وليس ما ابدي هنا اثر الوراثة فحسب ، بل هو شيء ابعد من الوراثة . ما هو ؟
قل لي انت ما هو هذا ؟ وقل لي ما اذا كنت على ضلال او على هدى . فاني اثق بك واصدق بالبداهة كل ما نقول . وسواء اكنت مخطئة ام غير مخطئة فان قلبي يسير اليك وخير ما فيّ يظل حائماً
حواليك يحرسك ويحنو عليك .
غابت الشمس وراء الافق . ومن خلال السحب العجيبة والاشكال والالوان حصحصت نجمة لامعة . نجمة واحدة ، هي الزهرة الاهة الحب . اترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويشتوقون ؟ ربما وُجد فيها من هي مثلي ، لها واحد جبران ، حلو بعيد بعيد هو القريب القريب . تكتب اليه الان والشفق يملا الفضاء وتعلم ان الظلام يخلف الشفق ، وان النور يتبع الظلام ، وان الليل سيخلف النهار ، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل ان ترى الذي تحبه . فتتسرب اليها كل وحشة الشفق وكل وحشة الليل فتلقي بالقلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد : جبران . ـ مصر ، ١٥ يناير سنة ١٩٢٤ .
يوماً واحداً ؟ هل منهم من يعلم ان وراء اغانينا اغنية لا تسجنها الاصوات ولا ترتعش بها الاوتار ؟ هل بينهم من يعلم الفرح في كآبتنا والكآبة في فرحنا ؟ .
تقولين لي : انت فني وانت شاعر ويجب عليك ان تكون مقتنعاً لانك فني وشاعر . ولكن يا مي انا لست بفني وشاعر . قد صرفت ايامي مصوراً كاتباً . ولكن انا لست في ايامي ولياليي .
انا ضباب يا مي ، انا ضباب يغمر الاشياء ولكنه لا يتحد واياها . انا ضباب لم ينعقد قطراً . انا ضباب وفي الضباب وحدتي ،
وفيه هو انفرادي ووحشتي وفيه جوعي وعطشي . ومصيبتي هي ان الضباب ، وهو حقيقتي ، يشوق الى القاء ضباب آخر في الفضاء . ويشوق الى استماع قائل يقول : لست وحدك ، « نحن اثنان » ، انا اعرف من انت .
اخبريني ، يا مي ، أفي ربوعكم من
يقدر ويريد ان يقول لي : « انا ضباب آخر ايها الضباب ، فتعال نخيم على الجبال وفي الاودية ، تعال نسير بين الاشجار وفوقها ، تعال نغمر الصخور المتعالية ، تعال ندخل معاً الى قلوب المخلوقات وخلاياها ، تعال نطوف في تلك الاماكن البعيدة المنيعة الغير معروفة . » قولي يامي
![[...] الجديدة مي زيادة جبران خليل جبران](../ar/5dbf1fd98386.jpg)
٤٥