


كانت « مي » تعجب بالدكتور يعقوب صروف ، كعالم واديب وكان صروف يعجب بهذه الفتاة المثقفة ويقول عنها : « ان هذه الفتاة تجاري الكتاب الاوروبيين في البحث ، ولا اذكر اني شاهدت من ضارعها من كتاب العربية ولا من فاقها من الاوروبيين ...
وكان بينهما مراسلات علمية وادبية ، وكثيراً ما كانت تدعوه باستاذي الجليل ، وذي التاج والصولجان ، وبفرعون الجبار .
ومن رسالة كتبتها مي الى الدكتور يعقوب صروف :
« اكتب اليك والشمس تنزل درجات الافق ، وقد سبحت غيوم المساء كما في بحيرات من العسجد والعنبر والزبرجد والياقوت . في جميع اطراف الافق تتوهج حرارة الربيع وتبدد يقظة الطبيعة . وعلى البسيطة مثل هذه اليقظة وتلك الحرارة . ما اجمل الشجيرات التي انبتتها لنا كرماً مصلحة التنظيم ، تبسم بازهارها الليلكية على جانبي شارعنا . هل ذهبت اليوم لشم النسيم ، ام اكتفيت
بالسير في شارع عماد الدين ؟ ربما كنت الان سائراً في الخلاء ، تنظر الى هذا الغروب الساحر وتفكر بي ... اما انا فلم اخرج من البيت هذه الايام التي كثرت . »
وفي اخرى تقول :
« مضت الساعة ، وفي فكرة واحدة وهي رسم مجموعة عواطفي طاقة تهنئة وتكريم لمناسبة يوم ميلادك الجميل . او ان ارسم تلك الطاقة غضة نضرة زاهية جزلة ، كما هي في الاصل الخفي . واود ان انفث في القلم قدرة سريعة خلابة لاقول ولو في سطر واحد ما اشعر به ، وما اريد ان اعبر عنه » .
لو كنت اليوم في لبنان لقضيت فريضة الحج الى حيث مشرق الشمس الفكرية منك وسيكون من مسراتي الكبرى في هذا الصيف ان ازور البقعة الصغيرة الكبيرة التي بلا ريب سيقيمون لك فيها تمثالا يوم يجتاز الشرق حد التحمس الوقتي الى تأدية الواجب نحو كبار رجاله ، الذين هم الكبار حقيقة ، وليس اولئك الذين زعمهم في بلاهة كباراً ! .
« لم تكن صلة انطون الجميل بي ، باديء الامر تتجاوز حد الصداقة الادبية ، والتقدير العام ، حتى اذا تقدم الزمن ، وتقدمت هي في نبوغها والمعيتها وجاذبيتها ، ازداد هذا التقدير ، بل تطور الى عاطفة سامية والى حب روحي ... وان شئت فقل الى حب عذري ، تصوره هذه الرسالة التي بعث بها اليها سنة ١٩٢٦ وهي واحدة من عدة رسائل مسطرة بمداد القلب وصادرة عن اعماق النفس :
ولعل من الطريف ان نشير الى تلك الرسالة الرقيقة التي بعث بها اليها في اكتوبر ١٩٢٨ فهي تكشف عن مكنونات نفسين تحمل كل منهما للاخرى مودة صادقة وعاطفة مخلصة :
« ايتها العزيزة » .
ساءني جداً ما اصاب عينك اليمنى .
سلمت عيناك اليمنى منها واليسرى ، بل سلمت في كلياتك وجزئياتك . وقد تجدين في هذا الدعاء الخالص ، وهذا التمني الصادق ، شيئاً من الانانية . ما دمت تعتقدين ان الانانية اساس جميع اعمالنا وعواطفنا فليكن ذلك ... اليس ورم جفنك الذي اخرك عن الكتابة فحرمني التمتع بكتابك قبل اليوم ؟ » .
وفي رسالة ثانية يقول :
« الساعة الان متأخرة من الليل ولا يسعني الا الانتقال بالفكر الى تلك الشرفة الشاهقة ( يعني شرفة منزلها ) ذات الفضل عليّ في هذه الساعة ، فأقف طويلاً عن الكتابة ضائعاً في بحار الذكريات . بل ان الكلمات تعصاني ، فابحث عنها ولا اجدها ... » .
استودعك الله يا بيبي ( Bebé ) على امل لقائك بخير وعافية . وقد اصبحت انا
لوز بيبي
L'autre Bebé
وبعد هذه الصداقة القوية ضرب الله بينهما بالفراق وقام بينهما شيء من الفتور بعد مرضها ، وانصرف الجميل عن ذكراها .