للأديب الشاعر يوسف غصوب مقال نشره منذ عهد غير بعيد في مجلة «المينا» يبحث فيه اسباب ضآلة الانتاج الادبي في لبنان وينتهي من بحثه الى استنتاج رئيسي وهو ان طغيان الثقافة واللغات والصحف الاجنبية في هذا القطر واقبال اهله على مطالعة آداب الغربيين وعلومهم في لغاتها الاصلية ، وتأثير الهجرة والتفرنج من جهة اخرى ، كل ذلك يقف حائلاً دون الانتاج الادبي فيه ، في حين ان الاقطار المجاورة التي لم توفق الى هذا العدد الكبير من المؤسسات والمعاهد والمؤثرات الاجنبية التي يعج بها لبنان لا تزال بصورة عامة اقل اتصالاً مباشراً بثقافات الغرب ، وادبها اقل تعرضاً لمنافسة الادب الاجنبي ، ولهذا يستطيع ادباءها حين يكتبون بالعربية ان يجدوا قراء لأدبهم وان كان ضعيف القيمة .
ومع ان اسباب الركود الادبي في لبنان عديدة لا تقتصر على واحد ، لا يسعنا الا القول بان في هذا التعليل كثيراً من الصحة ، وما عليك لاثباته الا ان تقوم باحصاء لعدد الكتب والمجلات الاجنبية التي تباع كل يوم في بيروت ، بينما المكاتب العربية تكاد تقصر نشاطها على بيع الكتب المدرسية التي يقرأها طلاب السرتيفيكا والباكوريا اللبنانيين .
ليس عدد القراء قليلاً في لبنان والنشء الجديد كثير الاقبال على المطالعة لا سيما الشبان والشابات الذين نالوا ثقافة كلاسيكية تغلب فيها النظريات على العمليات . لكن اهل الطبقة المثقفة عندنا اكثر اتقاناً للغات الغرب منهم للغتهم بل ان كثيرين منهم ينفرون بطبعهم من كل لون محلي ويحتقرونه رغم تبجح البعض منهم بلبنانيتهم وليس لهم من العزة القومية ما يدفعهم الى تشجيع الانتاج المحلي وان كان هزيلاً .
وهب انهم اتقنوا لغتهم حتى اصبحوا يرون الكتابة فيها امراً متيسراً افهم لا
يجدون لهذا الاتقان فوائد عملية واضحة . فاما كن العمل - المؤسسات والشركات الاجنبية التي يزخر بها لبنان - تتطلب منهم اتقان اللغات الاجنبية . وان هم انصرفوا الى الكتابة في العربية فقد لا يجدون بين اللبنانيين قراء ، والاقطار الشقيقة اشد حرصاً على تشجيع ادبائها
منها على تشجيع ادباء لبنان ، وهذا امر طبيعي . وقد يضحي بعضهم بوقته وماله ونشاطه مدة من الزمن ثم يصبح عاجزاً عن التضحية او كارهاً لها . ثم ها هم تجار الادب ، لجان الكتب المدرسية ، محطات الاذاعة ، شركات النشر ومؤسسات التعاون الثقافي الاستعماري بين الشرق والغرب ، جميع هذه الوجوه الجديدة تمد اليهم يدها وتغريهم بالادب التجاري الذي يجعل من المتأدبين ادباء ، فلماذا لا يبرع اليها الكتّاب الناشئون ؟
زد على ذلك ان دخول ميدان الادب الصرف يصبح اشد صعوبة كل يوم

