بارتفاع مستوى الثقافة وتعنت القراء، وشيوع السأم في نفوس النخبة المثقفة. فماذا يقرأ هؤلاء؟ المقالة، لقد ابتذلت لسهولة مأخذها، فهي لا تقرأ الا اذا برزت في شكل مغرٍ طريف، في شكل اختبارات واحصاءات عملية على الطريقة الاميركية، او حقائق فلسفية ودرس عميق او عرض فني على الطريقة الاوروبية، ولا نلوم هؤلاء القراء اذا اعرضوا عن المقالة الخفيفة التي جاءت بنت ساعتها وخلقت من غير عناء. وفي ما سوى ذلك يريد المثقفون قصصاً حديثة الاسلوب نظير قصص أو. هنري وتشيكوف او مسرحيات على طريقة مترلنك او غابرييل مارسيل او شعراً على طريقة الرمزيين وفوق الواقعيين. وهذه الالوان الادبية المغربية لا يجذها الادب العربي الا اذا انقطع لخدمة الادب ووقف عليه حياته وجاز في سبيله الطريق الوعرة الشائكة التي تدمى فيها الاقدام وتتقطع الانفاس ومن لنا مثل هذا المتصوف الذي يأتيه الرزق بلا تعب فينفقه على الادب؟
نقرأ في العربية الاخبار المحلية والتطورات السياسية. وحينئذ لا يستطيع من تعود قراءة الصحف الاجنبية الا ان يقابل بين اسلوب هذه واسلوب تلك. يقرأ مثلاً في مجلة «تايم»: «ولد لفلان صاحب معامل كذا ولزوجته فلانة صبي وزنه كذا.» وفي صحيفة عربية: «أنعم الله على التاجر المعتبر فلان وزوجته الراقية بمولود ذكر قرت به عيون الوالدين وقد دعي كذا تهنأ باسم جده الطيب الذكر فنسأل الله ان يجعله من ابناء السلامة ويصونه في ظل والديه الكريمين ويجعله قرة عيون البيت السعيد الخ».
هنا اتساءل: كيف يحتمل مثل هذا الهدر من تعود قراءة الصحف الاجنبية؟
وقد نقرأ الادب المترجم ولكن على غير لذة لأن من استطاع ان يقرأ قطعة
ادبية في اصلها الاجنبي لا يمكنه ان يسبغها في الترجمة. لهذا لا ارى فائدة في نقل الروائع العالمية الى العربية لان من بلغ من الثقافة مقداراً يمكنه من تفهم هذه الروائع منقولة، لا بد ان يعرف من لغات الغرب ما يجعله قادراً على فهمها في لغاتها الاصلية. وأي ثقافة تنتظرها في انسان لا يعرف سوى العربية؟ وكيف تنتظر منه ان يفهم الروائع الغربية المترجمة في حين انه يجهل روح الغرب وحضارته لانه لا يعرف من لغاته شيئاً؟
بقي هناك المجلات والصحف الشعبية التي يقرأها العامة واهل الثقافة المحدودة وقد تلقى السياسية منها رواجاً اما الادبية والاجتماعية فتروج اذا سلمت من مزاحمة زميلاتها المصرية الزاخرة بالصور والاخبار والفكاهات والالوان.
اخيراً اين نجد حلاً لمشكلة الادب اللبناني؟ قد يأتي الحل بتعريب المدارس مع الحرص على اتقان لغة اجنبية واحدة. وهذا يؤلف فقط جزءاً من الحل لان ادبنا يظل عاجزاً عن منافسة الادب الاجنبي، وتبقى المشكلة المالية التي قد يكون حلها عن طريق المهاجرين اذا تبرعوا بإقامة وقفيات خاصة بالادباء وبالمجلات الادبية الرصينة، والامل بذلك ضعيف لان معظم الناس يرون حاجة لبنان الى تبرعات المهاجرين في سبيل الامور المعاشية اشد من حاجته اليهم لاجل الكماليات.
وقد يأتي عن طريق الحكومة او بواسطة اللجنة الثقافية للجامعة العربية التي لم يظهر منها حتى الان نشاط ملموس. وفي كل حال لا تزال المشكلة تستوقف نظرنا وتستدعي تفكيرنا.

