سؤال يبدو بسيطاً للغاية، إنما لا نجيب عليه إلا بعد برهة من التفكير والحيرة، ويخرج الجواب بشيء من الثقة والتأكيد:
«طبعاً! أحب أولادي، وأحب زوجتي (أو زوجي!)».
في الغالب، يأتي الجواب على هذه الصورة، فإلى أي مدى نصدق في جوابنا؟ هذا ما سنحاول أن نكشف النقاب عنه في هذه الدراسة السيكولوجية.
نعرف الكثير من العائلات، التي تظهر في الحياة الاجتماعية بمظهر الانسجام التام والحب الكلي. فلا تخدعنّا الظواهر، لأن هذا الحب كثيراً ما يكون زائفاً، أو حباً طائشاً لا يؤتي ثماره الصالحة التي نتوخاها جميعاً في بيوتنا.
١ - جيراننا في الطابق الأعلى، معروفون لدى أصدقائهم بحبهم لبعضهم وسعادتهم الداخلية، فالزوج يسرع إلى بيته كل عشية ويريد عشاءه جاهزاً في تمام السادسة، ويتطلب من زوجته وأولاده أموراً كثيرة، يريدها أن تنفّذ على حذافيرها، وإذا جاء شيء على غير ما يرغب، اهتاج وصيّح وقلب البيت رأساً على عقب، فلا يرتفع في وجهه صوت واحد، ومع هذا فهو يعبد عائلته كل فرد منها، فهل هذا حب؟
٢ - لي صديقة أعرفها من سنين. تقضي كل دقيقة من يومها في البحث والعمل على إراحة وإسعاد زوجها وأولادها. تحرم أنفسها شتى الملاذ، لتهيء
لأولادها كل ما يرغبون، مما هو ضروري وكمالي... وهي في سبيل حبها لعائلتها تهمل نفسها كل الإهمال، وتبدو عادية المندام بالنسبة لزوجها وأولادها ...
ترى، هل هي مصيبة هذه السيدة في حبها وتفانيها فيه؟ هل تحب عائلتها عن حق، وهل يبادلونها حباً بحب، أم حباً بشفقة فحسب؟
٣ - أعرف عائلة شريفة النسب تخرّج أحد شبابها من كلية الحقوق فخطبوا له قريبة له، تصغره بضع سنين، ذات جمال وآداب وأناقة. رأيته مسكناً برسم خطيبته يتأمله وفي عينيه سياء الرضى،
وطيف السعادة المنتظرة... وبعد سنوات رأيت الزوجة فلم تبد سعيدة تهنأ في عش الزوجية الدافئ. فلم يكن هنالك حب وتفاهم بينها وبين زوجها، فالزواج كان زواج مصلحة لا غير، وإذا الزوجان غريبان عن بعضهما، يعيشان في وحدة ما بعدها وحدة، هو في مكتبه ومرافعاته وهي في تيهها وشكها ...
... هذه صور قليلة من مآسٍ كثيرة قائمة في مجتمعاتنا، نحسب أننا نداويها والواقع أن أمراضها الخفية تفتك في جهازنا العائلي، وتتركه مفككاً مشلول الأوصال.



