... وهزّ الطبيب رأسه بيأس ثم نادى الآلهات ، اللواتي وكلّ اليهن امر المريض ، وقال غاضباً :
« اهكذا تتركنه يعاني هذه الآلام طيلة هذا الوقت ؟ لقد بدا عليه الكبر وهو ما زال فتياً . انظرن ، انظرن الى وجهه وقد ظهرت عليه صفرة الموت المرة ... ماذا فعلتن ؟ وأي ذنب ترتكبن! مسكين ، مسكين هذا الشاب . »
كلمات قالها الطبيب وتوجه نحو الباب ، ولكن الهة الارض هرولت في اثره ، ثم امسكت به متضرعة :
« بالله عليك يا سيدي . بالله عليك لا تتركنا . رحمة به ... رحمة بنا ... رحمة بنفوس طالما تألمت عند منظر الصراع بين الموت وهذا الشاب . » وادارت وجهها لتمسح دموعاً بدأت تملأ عينيها الحنونتين .
رجع الطبيب بعد ما اثر عليه المنظر اشد التأثير ، ثم جلس على مقعد وقد بدا التعب الشديد على وجهه المتجعد ... وبصوت هادئ قال :
« اذا كان لا بد لي من المباشرة في العمل ، فاني اخبركن ان شفاء هذا الشاب متوقف عليكن وعليكن وحدكن . » ثم اردف وهو ينقل نظره من الواحدة الى الاخرى : « والآن بما انه ُمحتم عليّ ان اعلم شيئاً عن حياة هذا الشاب الماضية ، فاني اسأل كلاً منكن ان تجيبني باخلاص على الاسئلة التي سأوجهها ... »
والتفت الى الهة الاصلاح وخاطبها قائلاً : « من المعلوم ان امر هذا الشاب قد وكّل اليك من زمن بعيد ، فما هي
يا سيدتي الخدمات التي قدمتها لتغذية جسمه الناحل ؟ »
فاضطربت واجابت بعد ما كشرت عن اسنانها : « لا شيء ، لا شيء يا سيدي . بل بالعكس تماماً . دمار ودمار ! ... احزاب وثورات ! ... شقاق ونزاع ! فوضى ، فوضى اينما وقعت عين الانسان . كل عضو ينظر الى مطامحه ونفسه . نفسه قبل كل شيء . وكيف يضحي بها ؟ بل كيف يفضل عليها شيئاً ؟ لقد كاد الشلل يهجم على الشاب ولكنه نجا ... نجا والحمد لله . »
وارتمت على كرسيها وقد اغرورقت عيناها بالدموع ... وما ان مضت برهة حتى التفت الطبيب الى الهة الادب ليسألها عن خدماتها لتغذية عقله وروحه . فعلت وجهها حمرة الخجل ، ثم اجابت بصوت يكاد ان يكون همساً :
« لا شيء يستحق الذكر . شذرات هنا وهناك والجيد منها قليل قليل . لقد كانت الهبات التي اعطيت لي ضئيلة . وانت تعلم كل العلم اننا معشر الالهة نعيش ونعطي بقدر ما يهب لنا الانسان وما يقدّم ، ثم ... اني آسفة ان اقول . ولكنني سأتكلم لانها الحقيقة : افكار سطحية . عواطف مزيّفة . آراء تتداولها الايام ثم تحيا من جديد . روح قد تعودت الجمود القاسي . فوضى - نعم فوضى
في التعبير وفي الانتاج . »
« اين انت من الهة ادب الغرب . » اجابها الطبيب وكأنه في حلم « ارجوك - ارجوك » فقاطعته بجدة ، « من فضلك لا تنس ان الهة ادب الغرب حرة . اما نحن فمقيدات بسلاسل متينة . »
« ليس هذا عذراً » اجابها الرجل بتحسر . « رب ظلم كانت وليدته العبقرية المبدعة . ثم ما هو رأيك بهؤلاء الذين لا يعملون الا تحت منار الجملة القائلة : هات اولاً لاعطيك ثانياً ؟ » ... ولكن الالهة لم تجبه ، بل جلست في مكانها وهي تجر اذيال الحية المرة ...
وادار وجهه نحو الهة الفن لتخبره عما ادت لتغذية روحه وعواطفه . فارتعدت ، ثم اجابت بصوت يضطرب : « ارحني - ارحني من الجواب يا سيدي . ثم ماذا تريدني ان اجيب ؟ لقد بدأت عدة شخصيات بالقيام بالواجب ، ولكنه ينقصنا التشجيع والعمل المخلص . نحن لا نحطم تقاليدنا البالية ، بل نتمسك بها كما يمسك الطفل بثياب امه حينما يعروه خوف ما . اما اذا تركناها وابتعدنا عنها فاننا نحطم الكل لنصل الى حرية لا حدود لها . فوضى - فوضى يا سيدي ، تهامل وعدم اخلاص . »
والتفت الطبيب الى الهة الحياة . ولكنه قبل ان يوجه اليها سؤالاً ، بدأت


