تتكلم والسرور باد على محياها . « اما انا يا سيدي فقد قدّمت له الكثير والكثير . لقد قدمت له من الملذات ما يشتهي فارقني عند قدمي صاغراً . لقد اعطيته كأس اللذة الحلوة فجرعها حتى الثمالة ... »
« ولكن ، ولكن اية لذة تريدين ؟ » اجابها الطبيب وهو ينهض حانقاً . « بئس ما جرّعته من سمّ زعاف حتى جعلته طريح الفراش . »
ولكن اجابت دون ان يعتريها شيء من الاضطراب « انك تناقض نفسك بنفسك . لقد قلت لالهة الادب ان تنظر الى الهة الغرب وتأخذ عنها . وها انا قد قمت بهذه النصيحة احسن قيام . »
« واية نصيحة ؟ » اجاب الرجل وقد بدا الاضطراب على وجهه الحزين . « آسف ان اقول انك انما تنظرين الى القشور الذابلة دون اللباب الحية . لقد دفعك التيار - لقد بهرتك المدينة الجديدة فجعلتك ترين على خلاف ما هي الحقيقة . واسفي عليك كيف تنظرين وكيف تفكرين ! . »
« اسمح لي يا سيدي ان اقول » اجابت حانقة « انك رجل هرم لا تعرف معنى المدينة الحقة . »
« بئس مدينة تقوم على التقليد . ثم فوق هذا على تقليد اعرج ، اعرج يا سيدي ... » وتهيأ لترك المكان ، ولكن الهة الارض امسكت به قائلة :
« عفوك ، عفوك يا سيدي . ارجوك ان تعذر هذه الطائشة . سيدي ، سيدي لا تتخلّ عنا . »
دخل الطبيب غرفة المريض ، ثم ادار وجهه وقد اغرورقت عيناه بالدموع . « لا . لا استطيع ان اتركه دون معين . » وتوقف عن اتمام فكرته فجأة
اذ رأى الشاب يتململ في غفوته . فاقترب منه بهدوء وتبعته الالهات .
وما ان مضت لحظات حتى فتح الشاب المريض عينيه ملتفتاً الى الطبيب ، وقد علت وجهه ابتسامة عذبة ساذجة ، ثم التفت الى الهة الارض وهو يتهيأ للجلوس وخاطبها قائلاً :
« اعطني عكازتي ، اعطني عكازتي . اسرعي ، اسرعي » ورجعت الهة الارض اليه ، فتناول العكازتين منها ، ثم ترك فراشه متكأ عليهما وهو يردّد : « لا ، لا اريد ان اموت . »
وكاد ان يقع على الارض ، فاسرعت الالهات اليه ، ولكنه ظلّ يبتسم قائلاً : « لا تخفن ، لا تخفن . هذه هي الخطوة الاولى . » ثم اردف وهو يرتقي على مقعد :
« اشكرك ، اشكرك يا الهي . »
وبينما الجميع في اضطراب وسرور ، ابتسم الطبيب ومسح الدموع التي اخذت تتساقط على خديه ، ثم قال في همس :
« لا لن اتركك ، لن اتركك ايها الشاب العزيز . ستشفى وستعيش ، فالمستقبل بين يديك . »

