
ترى لم قبلت المرأة هذه المدة الطويلة ان تسند زمام تعليمها الى الرجل ليقرر ما يناسبها منه حسبما يشاء ويهوى ، مع ان التاريخ قد اثبت ان في وسع النساء حينما تتاح لهن الفرصة الكافية ان يستغلوا نبوغهن على الوجه الصحيح . وقد كان هيناً على الرجل ان ينفرد بقصب السبق في مضاري الفنون والعلوم ، حينما استقل بها ، كما كان من السهل ان يشير في الماضي الى مبلغ انحطاط المرأة العقلي بالنسبة له ، حينما استطاع ان يسن القاعدة الاجتماعية القائلة بأن المرأة لا تصلح الا لمهمتين - الامومة والتدبير المنزلي ، وانها غير جديرة بالتعليم والتثقيف . على ان المرأة ما كادت تستيقظ وتنهض ، حتى أثبتت عكس ذلك . والواقع انه لولا اعمال عالمتين نابهتين ، لظل العلماء من الذكور يتخبطون الى اليوم في محاولاتهم فتح مغالق الطاقة الذرية .
واحدى هاتين العالمتين ماري كوري والاخرى ليزى ميتنر . والى العالمة الفرنسية الاولى يرجع الفضل في انقاذ العالم من آلامه وأوصابه باكتشافها الراديوم لمعالجة السرطان . وكذلك اكتشفت نظرية تأثير الاشعة كيمياوياً ، تلك النظرية العظيمة التي قامت عليها جميع الابحاث بعد ذلك في طبيعة الذرة . اذ باكتشافها ان معدن الراديوم يتفتت تفتتاً مستمراً ويتحول الى غاز الهيليوم ومعدن الرصاص ، قد مكنت العلماء من التعرف على عمر الارض بالدقة ، كما انها زودتهم بالمعلومات التي أفضت الى اكتشاف طبيعة الطاقة الشمسية .
قد اضطرت ليزى ميتنر التي لا زالت
على قيد الحياة بأميركا ان تهرب من الاضطهاد النازي ، وكانت قد قضت نحو خمس وعشرين سنة في برلين وهي تعمل مع الاستاذ هاهن في بحث الانواع الجسدية النهائية للمادة . وكانا على وشك الاهتداء

الى شق ذرة الاورانيوم واخترعا مجهراً خاصاً لمراقبة ما يطرأ على الاورانيوم من تغيير تحت ضربات ذرات النيترون . فلما شاهدا - رغم انهما لم يستخدما غير الاورانيوم في تجاربهما - ظهور عنصر جديد وهو معدن الداريوم علما انهما نجحا في تحويل التركيب الجوهري الذري للاورانيوم .
ومن ثم تجهم الافق بسحب الرعب النازي ، فهربت العلامة ليزى الى السويد حاملة معها سر الطاقة الذرية التي لم يكن
العالم قد ادرك بعد مبلغ خطورتها . وكانت امرأة وديعة الاخلاق ضئيلة الجسم بسيطة الهندام ، ناهزت الستين دون ان تفكر قط في الزواج . وطالما ضحكت من آراء كبار المفكرين في سخريتهم بالمرأة ، سواء أكان هذا الروماني القائل ان فكرت المرأة على انفراد ، فهي تفكر في شر ، أو كان الكاتب الانكليزي أديسون الذي بلغ به الاستخفاف من النساء رغم نبوغه ان قال ان المرأة اذا اتجهت بكليتيها الى التفكير الجدي ، صارت روحاً ضائعة . وقد دحضت أقوال ذلك الفيلسوف العظيم اراسموس القائل منذ اربعمائة سنة ان المرأة العاقلة لهي حمقاء مرتين .
وكان اراسموس بارعاً في تشريح روح الرجل في حين كان أديسون يعتبره بمثابة حيوان اجتماعي ، بيد أنهما لم يكن في وسعهما معالجة مسألة ضخمة كالتركيب الذري للاحياء والجماد ، وهو ما تصدت لمعالجته هذه المرأة الضئيلة البسيطة الهندام . ولم تكن تفكر اثناء ركوبها عربة الترام في السويد في التطريز أو شغل الابرة ، بل كانت تفكر في الكون تفكيراً رياضياً بحتاً . فقد كانت مشغولة باختبار صحة عمليتها عن منطق الارقام العلمية . وبحل مسألة شائكة وهي كشف تشقق الذرة الى نصفين غير متعادلين ، وبذلك تطلق طاقة تفوق الطاقة المتولدة من الفحم المحترق ٥٠,٠٠٠,٠٠٠ مرة . وقد شغلتها هذه المسائل أينما سارت ، واخيراً ذهبت بها الى اميركا حيث ساهمت مع العلماء في حل مسألة اطلاق الطاقة الذرية . وهي الان تلعب دوراً في المشاريع الرامية الى استخدام هذه الطاقة في الاغراض