حقاً اني مهتاج الاعصاب لدرجة مخيفة ، لقد كنت كذلك وما زلت ، ولكن ما الذي يجعلك تعتقد اني مجنون ؟ كلا ! لست مجنوناً . ان الحمى قد جعلت أعصابي متوترة ، لقد سمعت كل شيء في الارض والسماء ، كما سمعت أشياء كثيرة عن الجحيم . فكيف تدعوني مجنوناً وأنا أتمتع بصحة طيبة ووقار واتزان ، وانظر الى هدوئي وأنا اسرد القصة بكاملها على مسامعك .
من العسير علي ان ابين كيف لاح لي هذا الخاطر لأول مرة ، ولكن سرعان ما اعتنقت تلك الفكرة وأصبحت في قبضتها . لم يكن هناك أي هدف كما لم يكن هناك أي دافع عاطفي ، فقد كنت احب الرجل المسن الذي لم يصبني يوما ما بكروره أو يلحق بي أي اهانة ، ولم اكن ارغب في نظاره ، بيد اني اعرف السبب الوحيد وهو عينه ، نعم عينه فقد كانت كعين النسر زرقاء شاحبة ، تجللها غشاوة ، وما وقعت تلك العين علي الا وسرى الدم البارد في عروقي .
هذه النقطة هي محور الكلام وستعتقد اني مجنون ، ان الرجال المجانين لا يعرفون شيئاً ، وكان يجدر بك ان ترافقني وانا انفذ عزمي ، وعندئذ يتضح لك اني غير مجنون — فقد نفذت عزمي بكل حكمة وحذر وبعد نظر .
لم اكن في حياتي مع ذلك الرجل المسن الطف مني في الاسبوع الذي سبق مقتله . فقد كنت اذهب الى غرفته في منتصف كل ليلة ، وافتح باب الغرفة في حطة ورفق بالقدر الذي يكفي لادخال رأسي ، فأدفع بيدي التي تحمل المصباح المجلل الاركان حتى لا ينفذ منه النور ، ثم أدخل رأسي وابالغ في تنفيذ هذا
العمل بحذر حتى لا يصحو الرجل من هنى نومه ، وكثيراً ما استغرق مني هذا العمل مدة ساعة كاملة ، فهل من المعقول ان يفعل ذلك رجل يوصف بأنه مجنون ؟ وبعد ان اطمئن عدة مرات على ان الرجل
نائم ، احاول ان اجعل المصباح يشع ضوءاً خافتاً ينصب على تلك العين النسرية . قمت بذلك العمل سبع ليال متواليات ، وكنت كل مرة أرى العين النسرية مغمضة الجفون فارجع عن عزمي ، لأن العجوز


