

... توالي « صوت المرأة » نشر الاحاديث الممتعة التي تحدثت بها الى سكرتيرة التحرير كل من السيدتين : قرينة معالي الدكتور رئيف ابي اللمع ، وقرينة معالي الشيخ جميج تقي الدين . تتحدث كل منهما عن زوجها ...
احس وانا في انتظار ربة البيت ، انني في جو شرقي . فالالوان قاتمة والستائر الدمقسية تترك الغرفة في شبه ظلام ترتاح العين اليه . فاتكيء على المقعد الشرقي العريض واجول بنظري حول الغرفة .. امامي مجموعة من الاسلحة العتيقة : مسدسات ، بنادق ، سيوف وخناجر . لا بد ان لها صلة بتاريخ العائلة ...
وعلى الحائط صورتان زيتيتان كبيرتان لوالدي معالي الدكتور رئيف ابي اللمع ، يقابلهما صورتان لجديه . واذ يعلو نظري الى فوق يؤخذ بالنقوش والالوان .. هذه آيات كتبت بخط جميل ، تُزَنِّر الصالون من اعلى ... تمر عيناي عليها مراً : ـ
« ادب المرء خير من ذهبه .
صدر العاقل صندوق سره .
راعِ اباك يراعك ابنك .
لو علمتم الغيب لاخترتم ما وقع .
خير الامراء امير على نفسه . »
وهنا تدخل عليّ السيدة ايمي ، زوجة معالي الدكتور رئيف ابي اللمع وترحب بحرارة ، واذ تراني ما ازال انتم بهذه الآيات الحكيمة ، توضح لي ان هذه الآيات انتقاها معالي الوزير يوم اشرف بنفسه على بناء هذا البيت .
ـ هل لك يا سيدتي ان تتحدثي عن معالي زوجك كطبيب .
ـ لا يخفاك ان حياة الطبيب شاقة فكم كنت في بدء عهد زواجنا ، استصعب حياتنا اللانظامية فلا اعلم متى نتغدى او متى نتعشى . انما لم ألبث ان ألفت هذه
الحياة ـ وهو وضع تخبره كل زوجة طبيب : عمل ... عمل ... ولا شيء في هذا العمل اسمه « نظام » .
ـ هذه حياته كطبيب ، فما هو التغيير الذي طرأ عليها بعد ان اصبح وزيراً ؟
ـ يمكنك ان تستنتجي شيئاً عن ذلك ولا ريب ! فانا اليوم اذكر بالخير الايام الاولى عندما كان نشاط الدكتور مقتصراً على مهنته وبعض مهمات ثانوية كرئاسة نقابة الاطباء . اما اليوم فقلما نراه بيننا فكل دقيقة من وقته للناس . والذي يعجبني منه انه لا يرد احداً ويعير جميع المراجعين اذناً صاغية ، بغية الوصول الى شيء من الحقائق ورفع الحيف اذا امكن .
ـ نعم ، اقدر ان اتصور عظم المسؤولية الملقاة على عاتق معالي الدكتور . فالوزارة التي رضي باشغال كرسيها هي من الخراب بحيث يتركه في حيرة ، لا يدري اين يبدأ ! هذا الشعور يغمر الرأي العام اللبناني ، الذي ينظر الى معاليه الان نظرة المنقذ وهو في انتظار ليرى بواكير اصلاحاته .
والان ، هل تتلطف سيدتي وتحدثني عن معاليه كأب ؟
ـ لا اعلم كيف انعته كأب ، فهو ميال الى اعطاء ولديه ، فاروق وجهاد مطلق الحرية ، اعني انه من المدرسة الحديثة ، فهو يكثر « الحرجية » منذ ان كانوا اطفالا ، اعتقاداً منه بان هذا يعودهم التعرف الى كيفية الصرف وزمان الصرف . وبعد ذلك يتركهم دون ان يشرف بنفسه على محاسبتهم . وكثيراً ما
كان يساعدهم في تحضير دروسهم وخاصة الادبية والصحية ، اما الان فقد استعاض عن نفسه بمعلمين خصوصيين .
والدكتور يعامل فاروق وجهاد ، منذ ان كانا طفلين ، كصديقين ... وحتى الان وهو في هذه الغمرة من الشغل المتواصل ، كثيراً ما يعترضه جهاد محتجاً على اهماله اياهم فيقول له صباح الاحد مثلاً :
« بدنا نتباحث يا بابا ! » كأن هذا الطفل الكبير ، ابن الثلاث عشرة سنة ، ذا الميل الادبي ، لا يغتفر لابيه اهماله هذا وهو يطالب بحقه من وقته ، مطالبة الند للند .
ـ وهل لمعالي الدكتور ميول خاصة غير مهنته والوزارة ؟
ـ نعم للدكتور ميل ادبي لا يقل عن ميله الطبي والسياسي . وقد كان حتى امسه القريب ، يطالع كتباً ادبية في العشيات وله ميل خاص الى الشعر ، وهو ذو ذاكرة حادة تساعده على ان يروي مجموعة كبيرة من الشعر الجميل . واحس ان هذا الميل هو في ولدي ايضاً .. وهو متى عاد الى بيته يجب الهدوء التام ، لترتاح اعصابه من الاجهاد طول النهار . يفضل عدداً قليلاً من الاصدقاء المقربين ، يقضي واياهم سهرة « بردج » ولا يستأنس بالسهرات الرسمية الصاخبة ، بل يتضايق منها ويتمنى لو يتاح له الهرب منها !