ان الذين يطلعون على المذاهب الحديثة في العلم والفلسفة والآداب المختلفة يعرفون شيئاً قليلاً او كثيراً عن ذاك المذهب الوجودي الذي اخذ يتكلم عنه الكثيرون ويكتب عنه الكتاب بين مؤيد ومعارض . والطابع الخاص الذي اتخذه هذا المذهب في فرنسا عامة وفي حي من احياء باريس خاصة قد جذب اليه الانظار كثيراً ولعله حول الغاية منه فساد الشكل والمظهر على المعنى والمبنى ! أليس حي سان جرمين دي بري مركز زعيم الوجود بين الفرنسيين المعاصرين جان بول سارتر واتباعه ؟! ومن انجب تلامذته واقرب الناس اليه السيدة سيمون دي بوفوار مؤلفة الروايات المختلفة مثل رواية « المدعوة » (L'Invitée) « ودماء الآخرين » (Le Sang des Autres) والمأساة « الافواه غير النافعة » (Les Bouches Inutiles) بالإضافة الى البحث القيّم بيرولى وسينياس . وها هي المطبعة الفرنسية تبعث الينا بكتاب جديد قيّم لها باسم « الجنس الآخر » (Le Deuxième Sèxe) ويقع في جزئين ظهر القسم الاول منه منذ بضعة أشهر ويتناول « الوقائع والخرافات » (Les Faits et les Mythes) ومنذ قليل ظهر الجزء الثاني ولكنه لم يخرج من فرنسا بعد .
اما الجزء الاول من هذا الكتاب ( ويحتوي على ٣٩٥ صفحة من الحجم الكبير ) فقد قسمته مؤلفته الى ثلاثة اجزاء بحثت في الاول منه الامور الطبيعية لتكوين جسم الانثى وتركيب اعضائها فالنظرة النفسية التحليلية فالمادية التاريخية وفي الثاني عالجت الموضوع من الناحية التاريخية وفي القسم الثالث تكلمت عن
بعض المؤلفين وآرائهم المختلفة في تحليل المرأة ووضعها الاجتماعي وكل ما يتعلق بالموضوع . وهذا المؤلف الضخم يحتوي على كل ما يمكن ذكره من القول المنظم، الدقيق في عبارته والراقي في اسلوبه الواضح سيعرض كل ما هو ضروري عن المرأة منذ فجر التاريخ الى ايامنا هذه وليس هذا الموضوع بالجديد على القراء ولكنه لم يعالج فيما سبق بمثل هذه الدقة والتفصيل وبمثل تلك النظرة الواسعة العالمية العامة . وتدعم الكاتبة اقوالها بمبادئ من علم النفس والبيولوجيا ، بالطب والتاريخ ، كذلك بعلم الاجتماع والفيزيولوجيا والتحليل النفسي وبالإضافة الى هذا كله لم تنس الاستشهاد بالآداب العالمية المختلفة .
ان الظواهر الطبيعية والتركيب الطبيعي للمرأة قد وضعها في مركز تقل قوتها فيه عن الرجل . والانسان خاضع للعادة والطبيعة وقيمته تكون بالنسبة لقيم معينة لا بالنسبة لذاته . وهكذا ليست الفيزيولوجيا هي التي تحدد هذه القيم بل المجتمع بعاداته وقوانينه وليست قوة الرجل الجسمية هي المسيطرة لانه لو جرت العادة - كما هي الحال عند بعض القبائل الهندية - في ان تختار الفتيات ازواجهن او كان للوالدين الحق في تقرير الزواج، لا يكون لتفضيل جنس الذكور هنا الايجابية الفاعلة ولا يكون له اي فضل على الجنس الآخر . فتختلف حتى علاقة الام بطفلها وذلك باختلاف النظم
الاجتماعية السائدة . فتكون مصدر فخر واعتزاز للام او مصدر بؤس وشقاء لها . وخلاصة القول ان البيولوجيا لا تكفي لأن تكون جواباً على السؤال الذي تحاول علاجه والرد عليه مؤلفة هذا الكتاب وهو : لماذا تعتبر المرأة الشخص الآخر (L'Autre) اي انها صاحبة المركز الثانوي السلبي ، بينما للرجل المكان الايجابي الفعال ؟! وهنا يجدر بنا ذكر ما فعله التاريخ من تأثير على الطبيعة وما فعلته الانسانية عامة واثرت به على الانثى البشرية .
تبدأ المرأة او بالاحرى الفتاة بشعور نقص في مركزها وقوتها منذ اول ادراكها للامور وهي طفلة فتخلط تلك السيطرة التي للوالد في المنزل وبموجب التحليل النفساني الذي يجعل للفتاة من ابيها بطلاً تتبعه ومن الوالدة للفتى بطة يتبعها - هذه الفكرة تخلق في نفسها النزوع نحو تقديس الرجل واعتبار نفسها اقل مرتبة منه . كما ان الفتاة تشعر بان والدتها تنازعها محبة والدها واهتمامه فتنشأ منذ الطفولة فعهد الصبا وفيها ذاك الاعتبار بأنها الشخص « الآخر » اي الثانوي . هذا خلاصة ما تذكره الكاتبة مفصلاً في الفصل الخاص بالتحليل النفسي الذاتي قبل ان تصل الى معالجة الموضوع من الناحية المادية التاريخية .
تبدأ بالعصر الحجري حين كانت المرأة تقوم بقسم كبير من العمل في الحقل

