على دارات الماء وتيار اللج وعباب النهر البطيء الهارب .
كنا نسير على طول الشاطئ نشاوى من ذلك الطرب المبهم الذي تبعته فينا هذه الليالي الحاملة ، وكانت نفوسنا مهيأة لاعمال فوق اعمال البشر ، وقلوبنا مفتحة لحب كوائن شعرية مجهولة ، وكنا نشعر بالجذبات والرغبات والاماني تحتاج في نفوسنا ، فلزمنا الصمت مفتونين بصفاء السماء وطراءة الليلة الجميلة ، وعذوبة البحر التي خيل الينا انها نفذت الى الجسم وغمرت الذهن وعطرته وغمسته في السعادة .
وعلى حين بغتة صاحت جوزفين ( وهو اسم الفتاة ) قائلة :
- هل رأيت السمكة الكبيرة التي وثبت هناك ؟
فأجاب جان من دون ان ينظر او يعلم :
- نعم يا عزيزتي .
فقالت مغضبة :
- كلا انك لم ترها ، لان ظهرك كان اليها .
فابتسم وقال : نعم هذا صحيح ، فان الجو قد استولى بجماله علي فلم افكر في غيره .
فأمسكت عن الكلام ، ولكن شهوة الحديث ملكتها بعد لحظة فسألت جان :
- أذاهب أنت غداً الى باريس ؟
فأجابها :
- لا اعلم .
فعاودها الغضب ، وقالت :
لعلك ترى ما يبهج نفسك ان تنزّه وان صامت . ان الانسان انسان لانه يتكلم ! فلم يجب على قولها بشيء . وفطنت هي بفضل غريزة المكر فيها الى انها ستحنقه ، فأخذت تغني ذلك اللحن المثير الذي آذى الآذان والاذهان منذ عامين ، ومطلعه : كنت انظر في الفضاء ...
فقال لها مغمغما :
- اسكتي من فضلك ، فقالت له محتدة :
- ولماذا تريد ان اسكت ؟ فأجابها :
- انك تفسدين علينا المنظر .
هنا حدث المشهد الكريه السفيه بعنايه المفاجئ ، وحسابه المبتسر ، فاحتقنت الوجوه وانهمرت الاعين ، ثم عادا الى البيت . وكان جان قد تركها تمضي في
ثورتها لا يدفع ولا يهاجم ، لانه كان مخدر الاعصاب بنشوة هذه الليلة العلوية التي هبطت بها الى الارض هذه العاصفة الهوجاء .
ومضت بعد ذلك ثلاثة اشهر ، كان الفتى يضطرب اضطراب القنبض في هذه العلاقة القوية الخفية التي تربطنا بها العادة

