في ليلة من ليالي الصيف الشائقة، والكون ثمل، والجو ناضر، والنسيم عليل أحست نجمة من نجوم السماء بنشوة الصبابة والهوى، فاستسلمت لسلطان القدر، وتركت نفسها تسقط على الأرض!
وسقطت النجمة في بستان خصيب وسرعان ما احتضنتها الأرض، ولفتها في أطوائها العميقة، وأطلقتها من بين أحشائها ذات صباح في شكل زهرة ذهبية غريبة، رائعة الحسن، باهرة.
واتفق أن مرت بالبستان إحدى العذارى، فأذهلها جمال الزهرة فاقتطفتها، وهرعت من فورها إلى الشاب الرقيق حبيبها، وقدمتها إليه في صبيحة ظافرة وهي تبتسم!
وكان الشاب الرقيق يحبها ملء شبابه،
وملء قوته، وملء أمله، فلما قدمت إليه الزهرة الغريبة، تأملها لحظة، ثم تنشقها طويلاً، ثم قبلها معناً، ثم جاش في صدره الهوى، فقبل حبيبته، بعد أن دس الزهرة النادرة في جيبه غير حافل ..
وفرقت الأقدار الغاشمة بين الحبيبين فذهب الشاب إلى المدينة، واهتم بالعمل وانهمك في شواغل الحياة الكبرى، فنسي البستان، ونسي العذراء، ونسي الزهرة ..
وانتظرت العذراء أياماً وهي تحلم وانتظرت شهوراً وأعواماً وهي تبكي ..
ولكن الشاب كان مشغولاً ... كان مهموماً .. كان يستكشف الحياة ويضرب في مجاهل الدنيا!
وانتظرت أيضاً .. انتظرت طويلاً
ولكن الشاب الرقيق كان لا ينوي من الدنيا، ولا يشبع من الحياة، ولا يتعب، ولا يضجر، ولا يقر له قرار.
وفي ليلة من ليالي الصيف الشائقة، والكون ثمل، والجو ناضر، والنسيم عليل، عاد الشاب من رحلته وطفق يصفر ويغني وهو يتخيل طيف عذرائه وفجأة ذكر شيئاً.. شيئاً لطيفاً.. شيئاً رقيقاً.. رقيقاً مثل أخلاقه وعواطفه .. فأسرع إلى ثيابه فاخرجها، وإلى جيوبها فنبشها، ولكنه بدل أن يجد الزهرة الغريبة، الزهرة الذهبية، الزهرة النادرة الغالية، عثر في جيب خفي منبوذ، على عصفور أعمى، عصفور كليل، عصفور لا صوت له ولا أجنحة، فحدق إليه مستغرباً مشمئزاً، وتركه يسقط كالنجمة، ولكن على أرض صلبة لا روح لها ولا قلب.
وانطلق الشاب الرقيق، يصفر ويغني، ويعد عدته لرحلة أخرى.
ولما حزم حقائبه وودع أهله، وهم بالخروج، استوقفه منظر العصفور الأعمى، فابتسم ساخراً، وهز كتفيه.
ثم سحق العصفور بقدمه ومضى!


